البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٤ - و هذه خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بنى مروان رضى اللَّه عنه و أكرمه
همة إلا في الدعوة إلى دينهم، الأقرب منهم فالأقرب، و إنهم متى فرغوا منى خلصوا إليك، فمهما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الآن، فعند ذلك شرع لعنه اللَّه في المكر و الخديعة، فكتب إلى مسلمة يقول له: إن إليون كتب إلى يستنصرنى عليك، و أنا معك فمرني بما شئت. فكتب إليه مسلمة:
إني لا أريد منك رجالا و لا عددا، و لكن أرسل إلينا بالميرة فقد قلّ ما عندنا من الأزواد. فكتب إليه: إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا و كذا، فأرسل من يتسلمها و يشترى منها.
فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشترى له ما يحتاج إليه، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقا هائلة، فيها من أنواع البضائع و الأمتعة و الأطعمة، فأقبلوا يشترون، و اشتغلوا بذلك، و لا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين و أسروا آخرين، و ما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك، فأرسل جيشا كثيفا صحبة شراحيل بن عبيدة هذا، و أمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولا فيقاتلوا ملك البرجان، ثم يعودوا إلى مسلمة، فذهبوا إلى بلاد البرجان و قطعوا إليهم تلك الخلجان، فاقتتلوا معهم قتالا شديدا، فهزمهم المسلمون باذن اللَّه، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و سبوا و أسروا خلقا كثيرا، و خلّصوا أسرى المسلمين، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفا عليهم من غائلة الروم و بلادهم، و من ضيق العيش، و قد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم اللَّه.
و هذه خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بنى مروان رضى اللَّه عنه و أكرمه
قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، و قد قيل بقين من صفر من هذه السنة- أعنى سنة تسع و تسعين- يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدمنا، و قد ظهرت عليه مخايل الورع و الدين و التقشف و الصيانة و النزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، و هي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، و الاجتزاء بمركوبه الّذي كان يركبه، و سكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، و يقال إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، و إني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها و هي الجنة، فأعينونى عليها يرحمكم اللَّه. و ستأتي ترجمته عند وفاته إن شاء اللَّه، و كان مما بادر إليه عمر في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك و من معه من المسلمين و هم بأرض الروم محاضر و القسطنطينية، و قد اشتد عليهم الحال و ضاق عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى الشام إلى منازلهم. و بعث إليهم بطعام كثير و خيول كثيرة عتاق، يقال خمسمائة فرس، ففرح الناس بذلك،