البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٦ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
الخلق كلهم عيال اللَّه، و ينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث. و قال المدائني: قال عبد الملك لمؤدب أولاده- و هو إسماعيل بن عبيد اللَّه بن أبى المهاجر-: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، و جنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير و أقلهم أدبا، و جنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، و احف شعورهم تغلظ رقابهم، و أطعمهم اللحم يقووا، و علمهم الشعر يمجدوا و ينجدوا، و مرهم أن يستاكوا عرضا، و يمصوا الماء مصا، و لا يعبوا عبا، و إذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم.
و قال الهيثم بن عدي: أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنا خاصا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة و خرج فلم يدر أين ذهب، و إذا فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن اللَّه قد جعلك بينه و بين عباده فاحكم بينهم (بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) إن اليوم الّذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا) و إني أحذرك يوم ينادى المنادي (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ) (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) قال فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه و لم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما. و كتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا و في آخره: و لا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك و اذكر ما تكلم به
الأولون إذا الرجال ولدت أولادها* * * و بليت من كبر أجسادها
و جعلت أسقامها تعتادها* * * تلك زروع قد دنا حصادها
فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر، و لو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق. و سمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال: أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للامراء مفسدة للرعية. و قال إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني عن أبيه عن جده قال:
كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة و النسك، فقال: إي و اللَّه، و الدما أيضا قد شربتها. ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال: ما حبسك لعنك اللَّه؟
فقالت أم الدرداء: لا تفعل يا أمير المؤمنين فانى سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا يدخل الجنة لعّان».
و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: ثنا الحسين بن عبد الرحمن قال قيل لسعيد بن المسيب: إن عبد الملك بن مروان قال قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، و لا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه.