البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
و قال الأصمعي عن أبيه عن جده قال: خطب عبد الملك يوما خطبة بليغة ثم قطعها و بكى بكاء شديدا ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، و إن قليل عفوك أعظم منها، اللَّهمّ فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي.
قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى و قال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام، و قد روى عن غير واحد نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن. و قال مسهر الدمشقيّ:
وضع سماط عبد الملك يوما بين يديه فقال لحاجبه: ائذن لخالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، فقال:
مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد ابن معاوية، قال: مات، قال فلفلان و فلان- حتى عد أقواما قد ماتوا و هو يعلم ذلك قبلنا- فأمر برفع السماط و أنشأ يقول:
ذهبت لذتي و انقضت أيامهم* * * و غبرت بعدهم و لست بخالد
و قيل: إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له عبد الملك: ما هذا؟ أ تحن حنين الجارية و الأمة؟ إذا أنامت فشمر و اتّزر و البس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، و احذر قريشا.
ثم قال له: يا وليد اتّق اللَّه فيما أستخلفك فيه، و احفظ وصيتي، و انظر إلى أخى معاوية فصل رحمه و احفظني فيه، و انظر إلى أخى محمد فأمره على الجزيرة و لا تعزله عنها، و انظر إلى ابن عمنا على بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودّته و نصيحته و له نسب و حق فصل رحمه و اعرف حقه، و انظر إلى الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الّذي مهد لك البلاد و قهر الأعداء و خلص لكم الملك و شتت الخوارج، و أنهاك و إخوتك عن الفرقة و كونوا أولاد أم واحدة، و كونوا في الحرب أحرارا، و للمعروف منارا، فان الحرب لم تدن منية قبل وقتها، و إن المعروف يشيد ذكر صاحبه و يميل القلوب بالمحبة، و يذلل الألسنة بالذكر الجميل، و للَّه در القائل:
إن الأمور إذا اجتمعن فرامها* * * بالكسر ذو حنق و بطش مفند
عزت فلم تكسر و إن هي بددت* * * فالكسر و التوهين للمتبدد
ثم قال: إذا أنامت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، و عليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن و أحبهن إلى فاطمة- و كان قد أعطاها قرطي مارية و الدرة اليتيمة- ثم قال: اللَّهمّ احفظني فيها. فتزوجها عمر بن عبد العزيز و هو ابن عمها.
و لما احتضر سمع غسالا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم، و لم أل الخلافة. ثم تمثل فقال:-
لعمري لقد عمرت في الملك برهة* * * و دانت لي الدنيا بوقع البواتر
و أعطيت حمر المال و الحكم و النهى* * * ولى سلّمت كل الملوك الجبابر