البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين و مائة
و السنة. قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس و ظلموا أنفسهم، و إني أدعو إلى كتاب اللَّه و سنة نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إحياء السنن و إماتة البدع، فان تسمعوا يكن خيرا لكم ولى، و إن تأبوا فلست عليكم بوكيل. فرفضوه و انصرفوا عنه و نقضوا بيعته و تركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، و من تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية، و غالب أهل الكوفة منهم رافضة، و غالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية، و في مذهبهم حق، و هو تعديل الشيخين، و باطل و هو اعتقاد تقديم على عليهما، و ليس على مقدما عليهما، بل و لا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة، و الآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة، و قد ذكرنا ذلك في سيرة أبى بكر و عمر فيما تقدم. ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من هذه السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبة على الكوفة و هو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، و خرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، و رفع أصحابه النيران، و جعلوا ينادون يا منصور يا منصور، فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان و ثمانية عشر رجلا، فجعل زيد يقول: سبحان اللَّه!! أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون. و كتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن على، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، و ركبت الجيوش مع نائب الكوفة، و جاء يوسف بن عمر أيضا في طائفة كبيرة من الناس، فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسمائة فارس، ثم أتى الكناسة فحمل على جمع من أهل الشام فهزمهم، ثم اجتاز بيوسف بن عمر و هو واقف فوق تل، و زيد في مائتي فارس و لو قصد يوسف بن عمر لقتله، و لكن أخذ ذات اليمين، و كلما لقي طائفة هزمهم، و جعل أصحابه ينادون: يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين و العز و الدنيا، فإنكم لستم في دين و لا عز و لا دنيا، ثم لما أمسوا انضاف إليه جماعة من أهل الكوفة، و قد قتل بعض أصحابه في أول يوم، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو و طائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلا، و انصرفوا عنه بشر حال، و أمسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جدا، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بنى سليم، ثم تبعهم في خيله و رجله حتى أخذوا على الساه، ثم اقتتلوا هناك قتالا شديدا جدا، حتى كان جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فوصل إلى دماغه، فرجع و رجع أصحابه، و لا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا لأجل المساء و الليل، و أدخل زيد في دار في سكة البريد، و جيء بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات من ساعته (رحمه اللَّه).
فاختلف أصحابه أين يدفنونه، فقال بعضهم: ألبسوه درعه و ألقوه في الماء، و قال بعضهم: