البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣ - شريح بن الحارث
لما كانت الفتنة لم أسأل عنها. فقال رجل لو كنت مثلك ما باليت متى مت، فقال شريح: فكيف بما في قلبي. و قد رواه شقيق بن سلمة عن شريح قال: في الفتنة ما استخبرت و لا أخبرت و لا ظلمت مسلما و لا معاهدا دينارا و لا درهما، فقال أبو وائل: لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قدمت، فأوى إلى قلبه فقال: كيف يهدأ، و في رواية: كيف بما في صدري تلتقي الفتيتان و إحداهما أحب إلى من الأخرى. و قال لقوم رآهم يلعبون: ما لي أراكم تلعبون؟ قالوا: فرغنا! قال: ما بهذا أمر الفارغ. و قال سوار بن عبد اللَّه العنبري: حدثنا العلاء بن جرير العنبري حدثني سالم أبو عبد اللَّه أنه قال: شهدت شريحا و تقدم إليه رجل فقال: أين أنت؟ فقال: بينك و بين الحائط، فقال:
إني رجل من أهل الشام، فقال: بعيد سحيق، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء و البنين، قال: إني اشترطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت. و قال سفيان: قيل لشريح بأي شيء أصبت هذا العلم؟ قال: بمعاوضة العلماء، آخذ منهم و أعطيهم.
و روى عثمان بن أبى شيبة عن عبد اللَّه بن محمد بن سالم عن إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبى إسحاق عن هبيرة أنه سمع عليا يقول: يا أيها الناس! يأتونى فقهاؤكم يسألونى و أسألهم، فلما كان من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة، فجعل يسألهم: ما كذا ما كذا، و يسألونه ما كذا ما كذا فيخبرهم و يخبرونه حتى إذا ارتفع النهار تصدعوا غير شريح فإنه جاث على ركبتيه لا يسأله عن شيء إلا أخبره به، قال: سمعت عليا يقول: قم يا شريح فأنت أقضى العرب.
و أتت شريحا امرأتان جدة صبي و أمه يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به
أبا أميه أتيناك و أنت المستعان به* * * أتاك جدة ابن و أم و كلتانا تفديه [١]
فلو كنت تأيمت لما نازعتكى فيه* * * تزوجت فهاتيه و لا يذهب بك القيه
ألا أيها القاضي فهذه قصتي فيه
قالت الأم:-
ألا أيها القاضي قد قالت لك الجدة* * * قولا فاستمع منى و لا تطردني رده
تعزى النفس عن ابني* * * و كبدي حملت كبده
فلما صار في حجري* * * يتيما مفردا و خده
تزوجت رجاء الخير* * * من يكفيني فقده
و من يظهر لي الود* * * و من يحسن لي رفده
فقال شريح:-
[١] هذه الأبيات طبق الأصل و لم نجد لها نظيرا.