البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١ - أبو ثعلبة الخشنيّ
إلى الحجاج أن يتطلبهم، و كان صالح بن مسرح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة و الاقامة بها، و كان له جماعة يلوذون به و يعتقدونه، من أهل دارا و أرض الموصل، و كان يعلمهم القرآن و يقص عليهم و كان مصفرا كثير العبادة، و كان إذا قص يحمد اللَّه و يثنى عليه و يصلى على رسوله، ثم يأمر بالزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة، و يحث على ذكر الموت و يترحم على الشيخين أبى بكر و عمر، و يثنى عليهما ثناء حسنا، و لكن بعد ذلك يذكر عثمان فيسبه و ينال منه و ينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه و قتلوه من فجرة أهل الأمصار، ثم يحض أصحابه على الخروج مع الخوارج للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و إنكار ما قد شاع في الناس و ذاع، و يهون عليهم القتل في طلب ذلك، و يذم الدنيا ذما بالغا، و يصغر أمرها و يحقره، فالتفت عليه جماعة من الناس، و كتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج و يحثه عليه و يندب إليه، ثم قدم شبيب على صالح و هو بدارا فتواعدوا و توافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية و هي سنة ست و سبعين- و قدم على صالح شبيب و أخوه مصاد و المجلل و الفضل بن عامر، فاجتمع عليه من الأبطال و هو بدارا نحو مائة و عشرة أنفس، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها و نفروا بها ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى
و كان ممن توفى فيها
في قول أبى مسهر و أبى عبيد
العرباض بن سارية
رضي اللَّه عنه السلمي أبو نجيح سكن حمص و هو صحابى جليل، أسلم قديما هو و عمرو بن عنبسة و نزل الصفة، و كان من البكاءين المذكورين في سورة براءة كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الآية. و كانوا، تسعة و هو راوي حديث «خطبنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خطبة وجلت منها القلوب و زرفت منها العيون» الحديث إلى آخره. و رواه أحمد و أهل السنن و صححه الترمذي و غيره، و روى أيضا أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) «كان يصلى على الصف المقدم ثلاثا و على الثاني واحدة» و قد كان العرباض شيخا كبيرا، و كان يحب أن يقبضه اللَّه إليه، و كان يدعو: اللَّهمّ كبرت سنى و وهن عظمي فاقبضنى إليك، و روى أحاديث
. أبو ثعلبة الخشنيّ
صحابى جليل شهد بيعة الرضوان و غزا حنينا و كان ممن نزل الشام بدار يا غربي دمشق إلى جهة القبلة، و قيل ببلاط قرية شرقى دمشق فاللَّه أعلم. و قد اختلف في اسمه و اسم أبيه على أقوال كثيرة، و الأشهر منها جرثوم بن ناشر، و قد روى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث و عن جماعة من الصحابة، و عنه جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب و مكحول الشامي و أبو إدريس الخولانيّ، و أبو قلابة الجرمي، و كان ممن يجالس كعب الأحبار، و كان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد للَّه عز و جل، و كان يقول: إني لأرجو أن لا يخنقنى اللَّه عند الموت كما أراكم تختنقون،