البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - ثم دخلت سنة ثنتين و مائة
عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام، و انسلخت هذه السنة و هو نازل بواسط و جيش الشام قاصده.
و حج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، و على مكة عبد العزيز ابن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، و على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، و على قضائها عامر الشعبي، و على البصرة يزيد بن المهلب. قد استحوذ عليها و خلع أمير المؤمنين يزيد ابن عبد الملك. و فيها توفى عمر بن عبد العزيز، و ربعي بن حراش، و أبو صالح السمان و كان عابدا صادقا ثبتا، و قد ترجمناه في كتابنا التكميل و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين و مائة
فيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، و ذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط و استخلف عليها ابنه معاوية، و سار هو في جيش، و بين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانا يقال له العقر، و انتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، و قد التقت المقدمتان أولا فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام، ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فهزموهم و قتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، و كان شجاعا مشهورا، و كان من موالي بكر بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق:-
تبكى على المنتوف بكر بن وائل* * * و تنهى عن ابني مسمع من بكاهما
فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، و هذا الرجل هو أول الجهمية، و هو الّذي ذبحه خالد بن عبد اللَّه القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد:-
نبكي على المنتوف في نصر قومه* * * و ليتنا نبكي الشائدين أباهما
أرادا فناء الحي بكر بن وائل* * * فعز تميم لو أصيب فناهما
فلا لقيا روحا من اللَّه ساعة* * * و لا رقأت عينا شجىّ بكاهما
أ في الغش نبكي إن بكينا عليهما* * * و قد لقيا بالغش فينا رداهما
و لما اقترب مسلمة و ابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب، خطب يزيد بن المهلب الناس و حرضهم على القتال- يعنى قتال أهل الشام- و كان مع يزيد نحو من مائة ألف، و عشرين ألفا، و قد بايعوه على السمع و الطاعة، و على كتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و على أن لا يطأ الجنود بلادهم، و على أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، و من بايعنا على ذلك قبلنا منه، و من خالفنا قاتلناه.
و كان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف و ترك الدخول في الفتنة، و ينهاهم أشد النهى، و ذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، و ما قتل بسبب