البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٣ - عبد اللَّه أبو يحيى المعروف بالبطال
فقال له البواب: من هذا؟ قال البطال: فقلت أنا سياف الملك و رسوله إلى البطريق، فأخذ لي طريقا إليه، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه، ثم قلت له: إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا، فأمر من عنده فذهبوا، قال: ثم قام فأغلق باب الكنيسة على و عليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطت سيفي و ضربت به رأسه صفحا و قلت له: أنا البطال فأصدقنى عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك و إلا ضربت عنقك الساعة، فأخبرني ما خبرها، فقال: هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم، و هذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا و كذا، و اللَّه لقد صدقتك. فقلت: هات الأمان، فأعطانى الأمان، فقلت: ايتني بطعام، فأمر أصحابه فجاءوا بطعام فوضع لي، فأكلت فقمت لأنصرف فقال لأصحابه: اخرجوا بين يدي رسول الملك، فانطلقوا يتعادون بين يدي، و انطلقت إلى ذلك الوادي الّذي ذكر فإذا أصحابى هنالك، فأخذتهم و رجعت إلى المصيصة. فهذا أغرب ما جرى قال الوليد: و أخبرنى بعض شيوخنا أنه رأى البطال و هو قافل من حجته، و كان قد شغل بالجهاد عن الحج، و كان يسأل اللَّه دائما الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها (رحمه اللَّه تعالى)، و كان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق- الّذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها- إلى البطال يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، و كان الأمير مالك بن شبيب، و قال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك و دهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا و الأبطال تحوم بين يدي البطال و لا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم و ذكر اسمه غلطا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، و رأى الناس يقتلون و يأسرون، و قتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، و انكسر المسلمون و انطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، و أصبح اليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحة قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي و الصلاة على و دفنى، ففعل الملك ذلك و أطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، و انطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة و الحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربا راجعا إلى بلاده، قبحه اللَّه، فدخل القسطنطينية و تحصن بها.