البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٨ - مسلمة بن عبد الملك
و حج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائب مكة و المدينة و الطائف، و نائب العراق يوسف بن عمر، و نائب خراسان نصر بن سيار، و على أرمينية مروان بن محمد.
ذكر من توفى فيها من الأعيان:
زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب
و المشهور أنه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه
مسلمة بن عبد الملك
ابن مروان القرشي الأموي، أبو سعيد و أبو الأصبغ الدمشقيّ، قال ابن عساكر: و داره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي، ولى الموسم أيام أخيه الوليد، و غزا الروم غزوات و حاصر القسطنطينية، و ولاه أخوه يزيد إمرة العراقين، ثم عزله و تولى أرمينية. روى الحديث عن عمر بن عبد العزيز، و عنه عبد الملك بن أبى عثمان، و عبيد اللَّه بن قزعة، و عيينة والد سفيان بن عيينة و ابن أبى عمران، و معاوية بن خديج، و يحيى بن يحيى الغساني.
قال الزبير بن بكار: كان مسلمة من رجال بنى أمية، و كان يلقب بالجرادة الصفراء، و له آثار كثيرة، و حروب و نكاية في العدو من الروم و غيرهم. قلت: و قد فتح حصونا كثيرة من بلاد الروم. و لما ولى أرمينية غزا الترك فبلغ باب الأبواب فهدم المدينة التي عنده، ثم أعاد بناءها بعد تسع سنين. و في سنة ثمان و تسعين غزا القسطنطينية فحاصرها و افتتح مدينة الصقالبة، و كسر ملكهم البرجان، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية. قال الأوزاعي: فأخذه و هو يغازيهم صداع عظيم في رأسه، فبعث ملك الروم اليه بقلنسوة و قال: ضعها على رأسك يذهب صداعك، فخشي أن تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير إلا خيرا، ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير إلا خيرا، فوضعها على رأسه فذهب صداعه، ففتقها فإذا فيها سبعون سطرا هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا الآية مكررة لا غير، رواه ابن عساكر.
و قد لقي مسلمة في حصاره القسطنطينية شدة عظيمة، و جاع المسلمون عندها جوعا شديدا، فلما ولى عمر بن عبد العزيز أرسل إليهم البريد يأمرهم بالرجوع إلى الشام، فحلف مسلمة أن لا يقلع عنهم حتى يبنوا له جامعا كبيرا بالقسطنطينية، فبنوا له جامعا و منارة، فهو بها إلى الآن يصلى فيه المسلمون الجمعة و الجماعة، قلت: و هي آخر ما يفتحه المسلمون قبل خروج الدجال في آخر الزمان، كما سنورده في الملاحم و الفتن من كتابنا هذا إن شاء اللَّه. و نذكر الأحاديث الواردة في ذلك هناك، و بالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، و مساعى مشكورة، و غزوات متتالية منثورة، و قد افتتح حصونا و قلاعا، و أحيا بعزمه قصورا و بقاعا، و كان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد