البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١١ - ذكر سبب وفاته (رحمه اللَّه)
فقرءوها فإذا فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ براءة من اللَّه لعمر بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه و دفنوها معه.
و روى نحو هذا من وجه آخر ابن عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل بسنده عن عمير ابن حبيب السلمي، قال: أسرت أنا و ثمانية في زمن بنى أمية، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا، فقتل أصحابى و شفع فىّ بطريق من بطارقة الملك، فأطلقني له، فأخذني إلى منزله، و إذا له ابنة مثل الشمس، فعرضها عليّ على أن يقاسمنى نعمته و أدخل معه في دينه فأبيت، و خلت بى ابنته فعرضت نفسها على فامتنعت، فقالت: ما يمنعك من ذلك؟ فقلت: يمنعني ديني، فلا أترك ديني لامرأة و لا لشيء. فقالت: تريد الذهاب إلى بلادك؟ قلت: نعم، فقالت: سر على هذا النجم بالليل و اكمن بالنهار، فإنه يلقيك إلى بلادك، قال: فسرت كذلك، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مكمن إذا بخيل مقبلة فخشيت أن تكون في طلبى، فإذا أنا بأصحابي الذين قتلوا و معهم آخرون على دواب شهب، فقالوا: عمير؟ فقلت: عمير. فقلت: لهم أو ليس قد قتلتم؟ قالوا: بلى، و لكن اللَّه عز و جل نشر الشهداء و أذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز، قال: ثم قال لي بعضهم: ناولني يدك يا عمير، فأردفتى فسرنا يسيرا ثم قذف بى قذفة وقعت قرب منزلي بالجزيرة، من غير أن يكون لحقني شر.
و قال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إلى أن أغسله و أكفنه، فإذا حللت عقدة الكفن أن انظر في وجهه فأدلى، ففعلت فإذا وجهه مثل القراطيس بياضا، و كان قد أخبرنى أنه كل من دفنه قبله من الخلفاء و كان يحل عن وجوههم فإذا هي مسودة. و روى ابن عساكر في ترجمة يوسف ابن ماهك قال: بينما نحن نسوى التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أمان من اللَّه لعمر بن عبد العزيز من النار. ساقه من طريق إبراهيم بن بشار عن عباد بن عمرو عن محمد بن يزيد البصري عن يوسف بن ماهك فذكره، و فيه غرابة شديدة و اللَّه أعلم. و قد رئيت له منامات صالحة، و تأسف عليه الخاصة و العامة، لا سيما العلماء و الزهاد و العباد. و رثاه الشعراء، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكثير عزة يرثى عمر:-
عمت صنائعه فعم هلاكه* * * فالناس فيه كلهم مأجور
و الناس مأتمهم عليه واحد* * * في كل دار رنة و زفير
يثنى عليك لسان من لم توله* * * خيرا لأنك بالثناء جدير
ردت صنائعه عليه حياته* * * فكأنه من نشرها منشور
و قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز (رحمه اللَّه):-
ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا* * * يا خير من حج بيت اللَّه و اعتمرا