البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٩ - بلال بن سعد
فتظهر للناس أنك تخشى اللَّه ليحمدوك و قلبك فاجر. و قال أيضا: أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء و إنما خلقتم للبقاء، و لكنكم تنتقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، و من الأرحام إلى الدنيا، و من الدنيا إلى القبور، و من القبور إلى الموقف، و من الموقف إلى الجنة أو النار.
و قال أيضا: عباد الرحمن إنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، و في دار زوال إلى دار مقام، و في دار حزن و نصب لدار نعيم و خلود، فمن لم يعمل على يقين فلا تنفعن، عباد الرحمن لو قد غفرت خطاياكم الماضية لكان فيما تستقبلون لكم شغلا، و لو عملتم بما تعلمون لكان لكم مقتدا و ملتجا، عباد الرحمن إماما وكلتم به فتضيعونه، و أما ما تكفل اللَّه لكم به فتطلبونه، ما هكذا نعت اللَّه عباده الموقنين، أ ذوو عقول في الدنيا و بله في الآخرة، و عمى عما خلقتم له بصراء في أمر الدنيا؟ فكما ترجون رحمة اللَّه بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عذابه بما تنتهكون من معاصيه، عباد الرحمن! هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم قد تقبل منكم؟ أو شيئا من خطاياكم قد غفر لكم؟ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ و اللَّه لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم ما فرض عليكم.
أ ترغبون في طاعة اللَّه لدار معمورة بالآفات؟ و لا ترغبون و تنافسون في جنة أكلها دائم و ظلها، و عرضها عرض الأرض و السموات تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ و قال أيضا: الذكر ذكران ذكر اللَّه باللسان حسن جميل، و ذكر اللَّه عند ما أحل و حرم أفضل. عباد الرحمن يقال لأحدنا: تحب أن تموت؟ فيقول: لا! فيقال له: لم؟ فيقول: حتى أعمل، فيقال له: اعمل، فيقول سوف أعمل، فلا تحب أن تموت، و لا تحب أن تعمل، و أحب شيء إليه يحب أن يؤخر عمل اللَّه، و لا يحب أن يؤخر اللَّه عنه عرض دنياه. عباد الرحمن إن العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض اللَّه و قد أضاع ما سواها، فما يزال يمنيه الشيطان و يزين له حتى ما يرى شيئا دون الجنة، مع إقامته على معاصي اللَّه. عباد الرحمن قبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ما ذا تريدون بها، فان كانت خالصة فامضوها و إن كانت لغير اللَّه فلا تشقوا على أنفسكم، فان اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، فإنه قال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ و قال أيضا: إن اللَّه ليس إلى عذابكم بالسريع، يقبل المقبل و يدعو المدبر، و قال أيضا: إذا رأيت الرجل متحرجا لحوحا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته. و قال الأوزاعي: خرج الناس بدمشق يستسقون فقام بهم بلال بن سعد فقال: يا معشر من حضر! أ لستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: نعم، فقال: اللَّهمّ إنك قلت ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ و قد أقررنا بالإساءة فاعف عنا و اغفر لنا. قال: فسقوا يومهم ذلك: و قال أيضا: سمعته يقول: لقد أدركت أقواما يشتدون بين الأغراض، و يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جثّهم الليل كانوا رهبانا. و سمعته أيضا يقول:
لا تنظر إلى صغر الذنب و انظر إلى من عصيت. و سمعته يقول: من بادأك بالود فقد استرقك بالشكر.