البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - عبد العزيز بن مروان
أصلح اللَّه الأمير، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح، فقال: إن عندي سلاحا، ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمر فضربه به حتى برد و خرج هاربا، ثم تفرق أصحاب موسى بن عبد اللَّه بن خازم.
قال ابن جرير: و في هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية، و حسّن له ذلك روح بن زنباع الجذامي، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في الليل، و كان لا يحجب عنه في أي ساعة جاء من ليل أو نهار، فعزاه في أخيه عبد العزيز فندم على ما كان منه من العزم على عزله، و إنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، و ذلك عن رأى الحجاج و ترتيبه ذلك لعبد الملك، و كان أبوه مروان عهد بالأمر إلى عبد الملك ثم من بعده إلى عبد العزيز، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الامرة من بعده بالكلية، و يجعل الأمر في أولاده و عقبه، و أن تكون الخلافة باقية فيهم و اللَّه أعلم.
عبد العزيز بن مروان
هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس أبو الأصبغ القرشي الأموي ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان، و كان ولى عهده من بعد أخيه عبد الملك، و ولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس و ستين فكان واليا عليها إلى هذه السنة، و شهد قتل سعيد بن عمرو بن العاص كما قدمنا، و كانت له دار بدمشق و هي دار الصوفية اليوم، المعروفة بالخانقاه السميساطية ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاها للصوفية.
و قد روى عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه و عبد اللَّه بن الزبير و عقبة بن عامر و أبى هريرة، و حديثه عنه في مسند أحمد و سنن أبى داود أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «شر ما في الرجل جبن خالع و شح هالع».
و عنه ابنه عمر و الزهري و على بن رباح و جماعة. قال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث، و قال غيره: كان يلحن في الحديث و في كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها و أحسنها فكان من أفصح الناس، و كان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه- و هو زوج ابنته- فقال له عبد العزيز: من ختنك؟ فقال الرجل: ختني الخاتن الّذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بما ذا أجابني؟ فقال الكاتب: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من ختنك، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها فخرج و هو من أفصح الناس، و كان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه و ينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية. قال عبد العزيز يوما إلى رجل: ممن أنت؟ قال: من بنو عبد الدار، فقال: تجدها في جائزتك، فنقصت جائزته مائة دينار: