البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - فصل
أما بعد فقد قرأت كتابك و فهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، و ما سلطته عليك و لا أمرته بالإساءة إليك، فان عاد لمثلها اكتب إلى بذلك أنزل به عقوبتي، و تحسن لك معونتى. و السلام.
فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين و أخبر برسالته قال: جزى اللَّه أمير المؤمنين عنى خيرا، و عافاه و كفاه و كافأه بالجنة، فهذا كان ظني به و الرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد اللَّه لأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، و ليس بك عنه غنى، و لا بأهل بيتك، و لو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه و داره تعش معه بخير و سلام. فقال أنس: أفعل إن شاء اللَّه. ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج: مرحبا برجل أحبه و كنت أحب لقاه، فقال إسماعيل:
أنا و اللَّه كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج و خاف و قال: ما أتيتنى به؟ قال:
فارقت أمير المؤمنين و هو أشد الناس غضبا عليك، و منك بعدا، قال: فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة و يعرق، و ينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضه قال: قم بنا إلى أبى حمزة نعتذر إليه و نترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال:
كيف لا أعجل و قد أتيتنى بآبدة؟ و كان في الطومار:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها و عدوت طورك، و جاوزت قدرك، و ركبت داهية إدّا، و أردت أن تبدو لي فان سوغتكها مضيت قدما، و إن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك اللَّه من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، و حفرهم الآبار، و نقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، و اللَّه لأغمرنك غمر الليث الثعلب، و الصقر الأرنب. و ثبت على رجل من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، و لم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عز و جل، و استخفافا منك بالعهد، و اللَّه لو أن اليهود و النصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرى، و عيسى بن مريم، لعظمته و شرفته و أكرمته و أحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه و أكرموه، فكيف و هذا أنس بن مالك خادم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثماني سنين، يطلعه على سره، و يشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه و نعله، و إلا أتاك منى سهم بكل حتف قاض، و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون. و قد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، و كذلك ابن قتيبة و غيرهما من أئمة اللغة و اللَّه أعلم.
و قال الامام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الزبير- يعنى ابن عدي- قال:
أتينا أنس بن مالك [نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا فإنه لا يأتى عليكم عام أو زمان