البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين
شريح بن الحارث بن قيس القاضي
أدرك الجاهلية، و استقضاه عمر على الكوفة فمكث بها قاضيا خمسا و ستين سنة، و كان عالما عادلا كثير الخير، حسن الأخلاق، فيه دعابة كثيرة، و كان كوسجا لا شعر بوجهه، و كذلك كان عبد اللَّه بن الزبير، و الأحنف بن قيس، و قيس بن سعد بن عبادة، و قد اختلف في نسبه و سنه و عام وفاته على أقوال، و رجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة.
[قلت: قد تقدمت ترجمة شريح القاضي في سنة ثمان و سبعين بما فيها من الزيادة الكثيرة غير ما ذكره المؤلف هنا و هناك] [١]
. ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك و ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانه في جمادى من هذه السنة- و كان حصينا منيعا- اقتتل الناس عنده قتالا عظيما ثم حمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون و لم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد و معه ابن محيريز الجمحيّ، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه اللَّه عز و جل؟ فقال: نادهم يأتوك، فنادى يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم و لجئوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه.
و ذكر ابن جرير أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي و إضافة حجر أزواج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أن يوسعه من قبلته و سائر نواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه و إلا فقوّمه له قيمة عدل ثم أهدمه و ادفع إليهم أثمان بيوتهم، فان لك في ذلك سلف صدق عمر و عثمان. فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس و الفقهاء العشرة و أهل المدينة و قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك و قالوا:
هذه حجر قصيرة السقوف، و سقوفها من جريد النخل، و حيطانها من اللبن، و على أبوابها المسوح، و تركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج و الزوار و المسافرون، و إلى بيوت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فينتفعوا بذلك و يعتبروا به، و يكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة، و هو ما يستر و يكن، و يعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة و الأكاسرة، و كل طويل الأمل راغب في الدنيا و في الخلود فيها. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب و بناء المسجد على ما ذكر، و أن يعلى سقوفه.
فلم يجد عمر بدا من هدمها، و لما شرعوا في الهدم صاح الاشراف و وجوه الناس من بنى هاشم و غيرهم،
[١] زيادة في المصرية.