البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٣ - موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي (رحمه اللَّه)
يبلغوا أعلى سورها، فأمر فعمل سلالم فصعدوا عليها، و قيل إنه أمر رجلا فصعد على سورها، فلما رأى ما في داخلها لم يملك نفسه أن ألقاها في داخلها فكان آخر العهد به، ثم آخر فكذلك، ثم امتنع الناس من الصعود إليها، فلم يحط أحد منهم بما في داخلها علما، ثم ساروا عنها فقطعوها إلى بحيرة قريبة منها، فقيل: إن تلك الجرار المذكورة وجدها فيها، و وجد عليها رجلا قائما، فقال له:
ما أنت؟ قال: رجل من الجن و أبى محبوس في هذه البحيرة حبسه سليمان، فأنا أجيء إليه في كل سنة مرة أزوره. فقال له: هل رأيت أحدا خارجا من هذه المدينة أو داخلا إليها؟ قال: لا، إلا أن رجلا يأتى في كل سنة إلى هذه البحيرة يتعبد عليها أياما ثم يذهب فلا يعود إلى مثلها، و اللَّه أعلم ما هو.
ثم رجع إلى إفريقية، و اللَّه أعلم بصحة ذلك، و العهدة على من ذكر ذلك أولا.
و قد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث و تسعين حين أقحطوا بإفريقية، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء، ثم خرج بين الناس و ميز أهل الذمة عن المسلمين، و فرق بين البهائم و أولادها، ثم أمر بارتفاع الضجيج و البكاء، و هو يدعو اللَّه تعالى حتى انتصف النهار، ثم نزل فقيل له: ألا دعوت لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا موطن لا يذكر فيه إلا اللَّه عز و جل، فسقاهم عز و جل لما قال ذلك. و قد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه، فدخل دمشق في يوم جمعة و الوليد على المنبر، و قد لبس موسى ثيابا حسنة و هيئة حسنة، فدخل و معه ثلاثون غلاما من أبناء الملوك الذين أسرهم، و الإسبان، و قد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم و الحشم و الأبهة العظيمة، فلما نظر إليهم الوليد و هو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير و الجواهر و الزينة البالغة، و جاء موسى بن نصير فسلم على الوليد و هو على المنبر، و أمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر و شماله، فحمد اللَّه الوليد و شكره على ما أيده به و وسع ملكه، و أطال الدعاء و التحميد و الشكر حتى خرج وقت الجمعة، ثم نزل فصلى بالناس، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته و أعطاه شيئا كثيرا، و كذلك موسى بن نصير قدم معه بشيء كثير، من ذلك مائدة سليمان بن داود (عليهما السلام)، التي كان يأكل عليها، و كانت من خليطين ذهب و فضة، و عليها ثلاثة أطواق لؤلؤ و جوهر لم ير مثله، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة. و قيل إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس، و بعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس أيضا من البربر، فلما جاء كتابه إلى الوليد و ذكر فيه أن خمس الغنائم أربعون ألف رأس قال الناس: إن هذا أحمق، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس و هي خمس ما غنم، و لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب.