البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦١ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) فقال عبد الملك: و اللَّه لقد دخل على أخوك عبد اللَّه فإذا هو لا يقيم اللحن، فقال خالد: و الوليد لا يقيم اللحن، فقال عبد الملك: إن أخاه سليمان لا يلحن، فقال خالد:
و أنا أخو عبد اللَّه لا ألحن، فقال الوليد- و كان حاضرا- لخالد بن يزيد: اسكت، فو اللَّه ما تعد في العير و لا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! ثم أقبل خالد على الوليد فقال: ويحك و ما هو العير و النفير غير جدي أبى سفيان صاحب العير، و جدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير؟ و لكن لو قلت غنيمات و جبيلات و الطائف، و رحم اللَّه عثمان، لقلنا صدقت- يعنى أن الحكم كان منفيا بالطائف يرعى غنما و يأوى إلى جبلة الكرم حتى آواه عثمان بن عفان حين ولى- فسكت الوليد و أبوه و لم يحيرا جوابا، و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست و ثمانين
ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو و خراسان، بلادا كثيرة من أرض الترك و غيرهم من الكفار، و سبى و غنم و سلم و تسلم قلاعا و حصونا و ممالك، ثم قفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك و يقول له: إذا كنت قاصدا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، و إذا قفلت راجعا فكن في ساقة الجيش- يعنى لتكون ردءا لهم من أن ينالهم أحد من العدو و غيرهم بكيد- و هذا رأى حسن و عليه جاءت السنة، و كان في السبي امرأة برمك- والد خالد بن برمك- فأعطاها قتيبة أخاه عبد اللَّه بن مسلم فوطئها فحملت منه، ثم إن قتيبة منّ على السبي وردت تلك المرأة على زوجها و هي حبلى من عبد اللَّه بن مسلم، و كان ولدها عندهم حتى أسلموا فقدموا به معهم أيام بنى العباس كما سيأتي. و لما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه دهاقين بلغار بهدايا عظمة، و مفتاح من ذهب.
و فيها كان طاعون بالشام و البصرة و واسط و يسمى طاعون الفتيات، لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمى بذلك. و فيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل و سبى و غنم و سلم و افتتح حصن بولق و حصن الأخرم من أرض الروم، و فيها عقد عبد الملك لابنه عبد اللَّه على مصر و ذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جمادى الآخرة، و عمره يومئذ سبع و عشرون سنة. و فيها هلك ملك الروم الأخرم لورى لا (رحمه اللَّه). و فيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب. و حج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي. و في هذه السنة توفى أبو أمامة الباهلي و عبد اللَّه بن أبى أوفى، و عبد اللَّه بن الحارث بن جزء الزبيدي في قول، شهد فتح مصر و سكنها و هو آخر من مات من الصحابة بمصر.
[و ممن توفى في هذه السنة]
و فيها في شوالها توفى أمير المؤمنين
عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
و هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية أبو الوليد الأموي أمير المؤمنين،