البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧١ - موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي (رحمه اللَّه)
أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مائة ضربة، وقفه للناس، و لا تراني إلا قاتله. فأرسل خلفه فعلمه على بن الحسين [١] كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه اللَّه منهم، و هي: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، لا إله إلا اللَّه العلى العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السموات السبع و رب الأرض رب العرش العظيم. توفى بالمدينة، و كانت أمه خولة بنت منظور الفزاري. و قال يوما لرجل من الرافضة: و اللَّه إن قتلك لقربة إلى اللَّه عز و جل، فقال له الرجل: إنك تمزح، فقال: و اللَّه ما هذا منى بمزح و لكنه الجد. و قال له آخر منهم: أ لم يقل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):
«من كنت مولاه فعلى مولاه»
؟. فقال: بلى، و لو أراد الخلافة لخطب الناس فقال: أيها الناس اعلموا أن هذا ولى أمركم من بعدي، و هو القائم عليكم، فاسمعوا له و أطيعوا، و اللَّه لئن كان اللَّه و رسوله اختار عليا لهذا الأمر ثم تركه على لكان أول من ترك أمر اللَّه و رسوله، و قال لهم أيضا: و اللَّه لئن ولينا من الأمر شيئا لنقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف، ثم لا نقبل لكم توبة، ويلكم غررتمونا من أنفسنا، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه و أمه، لو كان ما تقولون فينا حقا لكان آباؤنا إذ لم يعلمونا بذلك قد ظلمونا و كتموا عنا أفضل الأمور، و اللَّه إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين، كما أتى لأرجو للمحسن منا أن يكون له الأجر مرتين، ويلكم أحبونا إن أطعنا اللَّه على طاعته، و أبغضونا إن عصينا اللَّه على معصيته.
موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي (رحمه اللَّه)
مولاهم، كان مولى لامرأة منهم، و قيل كان مولى لبني أمية، افتتح بلاد المغرب، و غنم منها أموالا لا تعد و لا توصف، و له بها مقامات مشهورة هائلة، و يقال إنه كان أعرج، و يقال إنه ولد في سنة تسع عشرة، و أصله من عين التمر، و قيل إنه من اراشة من بلىّ، سبى أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق، و كان اسم أبيه نصرا فصغر، روى عن تميم الداريّ، و روى عنه ابنه عبد العزيز، و يزيد بن مسروق اليحصبى، و ولى غزو البحر لمعاوية، فغزا قبرص، و بنى هنالك حصونا كما لما غوصة و حصن بانس و غير ذلك من الحصون التي بناها بقبرص، و كان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع و عشرين، و شهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرا عند أخيه بشر بن مروان.
و كان موسى بن نصير هذا ذا رأى و تدبير و حزم و خبرة بالحرب، قال البغوي [٢]. ولى موسى ابن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع و سبعين فافتتح بلادا كثيرة جدا مدنا و أقاليم، و قد ذكرنا أنه
[١] كذا بالأصول و قد تقدمت وفاة على بن الحسين قبل هذا.
[٢] في المصرية الفسوي.