البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥١ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
[قال ابن تيمية عن هذا العمود: إن تحته مدفون جبار عنيد، كافر يعذب، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث و بال من الخوف، قال: و لهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى و اليهود و الكفار، فإذا سمعت أصوات المعذبين انطلق بولها. و العمود المشار إليه ليس له سر، و من اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ فاحشا. و قيل إن تحته كنزا و صاحبه عنده مدفون، و كان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا و ما نحن بمبعوثين و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم] [١].
و ما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه مدة ولايته، و جددت له فيه المقصورة، فلما ولى عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب، و يقلع السلاسل و الرخام و الفسيفساء، و يرد ذلك كله إلى بيت المال، و يجعل مكان ذلك كله طينا، فشق ذلك على أهل البلد و اجتمع أشرافهم إليه، و قال خالد بن عبد اللَّه القسري: أنا أكلمه لكم، فقال له: يا أمير المؤمنين بلغنا عنك كذا و كذا، قال: نعم! فقال خالد: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: و لم يا ابن الكافرة؟- و كانت أمه نصرانية رومية أم ولد- فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلا مؤمنا، فقال: صدقت، و استحيا عمر ثم قال له: فلم قلت ذلك؟ قال:
يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام انما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، و ليس هو لبيت المال، فأطرق عمر. قالوا: و اتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد و انتهوا إلى الباب الكبير الّذي تحت النسر، و رأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر، و الزخرفة التي لم يسمع بمثلها، صعق كبيرهم و خر مغشيا عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقي أياما مدنفا، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال: ما كنت أظن أن يبنى المسلمون مثل هذا البناء، و كنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال:
أو إن الغيظ أهلك الكفار، دعوه. و سألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم، و كان عمر عادلا، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، ثم حقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الّذي كتبه لهم الصحابة، مثل كنيسة دير مران بسفح قائسون، و هي بقرية المعظمية، و كنيسة الراهب، و كنيسة توما خارج باب توما، و سائر الكنائس التي بقرى الحواجز، فحيرهم بين رد ما سألوه و تخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس و يطيبوا نفسا للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، و يكتب لهم كتاب أمان بها،
[١] زيادة من المصرية: