البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - ثم دخلت سنة ست عشرة و مائة
فان القلوب تتكافأ.
و سمع عصافير يصحن فقال: أ تدري ما ذا يقلن؟ قلت: لا!! قال: يسبحن اللَّه و يسألنه رزقهن يوما بيوم.
و قال: تدعو اللَّه بما تحب، و إذا وقع الّذي تكره لم تخالف اللَّه عز و جل فيما أحب.
و قال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، و ما من شيء أحب إلى اللَّه عز و جل من أن يسأل. و ما يدفع القضاء إلا الدعاء. و إن أسرع الخير ثوابا البر، و أسرع الشر عقوبة البغي، و كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، و أن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، و ينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، و أن يؤذى جليسه بما لا يعنيه. هذه كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل أن يفعلها. و قال القرآن كلام اللَّه عز و جل غير مخلوق.
و قال أبو جعفر: صحب عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه و دفنه، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت:
و بالغ أمر كان يأمل دونه* * * و مختلج من دون ما كان يأمل
و قال أبو جعفر: و اللَّه لموت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد.
و قال: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم اللَّه وجه صاحبها على النار، فان سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر و لا ذلة، و ما من شيء إلا و له جزاء إلا الدمعة فان اللَّه يكفر بها بحور الخطايا، و لو أن باكيا بكى من خشية اللَّه في أمة رحم اللَّه تلك الأمة.
و قال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا و يقطعك فقيرا.
قلت: البيت الّذي كان يتمثل به قبله بيتان و هو ثالثهما، و هذه الأبيات تتضمن حكما و زهدا في الدنيا قال:
لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا* * * بمنزلة ما بعدها متحول
فساخط أمر لا يبدل غيره* * * و راض بأمر غيره سيبدل
و بالغ أمر كان يأمل دونه* * * و مختلج من دون ما كان يأمل] [١]
ثم دخلت سنة ست عشرة و مائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، و فيها وقع طاعون عظيم بالشام و العراق، و كان معظم ذلك في واسط. و في المحرم منها توفى الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في بطنه، و كان قد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فتغضب عليه أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فعزله و ولى مكانه عاصم بن عبد اللَّه على خراسان، و قال له: إن أدركته قبل أن يموت فأزهق روحه. فما قدم عاصم بن عبد اللَّه خراسان حتى مات الجنيد في المحرم منها بمرو، و قال فيه أبو الجرير عيسى بن عصمة يرثيه:
هلك الجود و الجنيد جميعا* * * فعلى الجود و الجنيد السلام
[١] زيادة من المصرية.