البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - ذكر الساعات التي على بابه
سنة-: سمعت بعض الشيوخ يقول: لما دخل المسلمون دمشق وجدوا على العمود الّذي على المقسلاط- على السفود الحديد الّذي في أعلاه- صنما مادا يده بكف مطبقة، فكسروه فإذا في يده حبة قمح، فسألوا عن ذلك فقيل لهم: هذه الحبة قمح جعلها حكماء اليونان في كف هذا الصنم طلسما، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد، و لو أقام سنين كثيرة. قال ابن عساكر: و قد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر التي في السوق الكبير، عند الصابونيين و العطارين اليوم، و عندها اجتمعت جيوش الإسلام يوم فتح دمشق، أبو عبيدة من باب الجابية، و خالد من باب الشرقي، و يزيد بن أبى سفيان من باب الجابية الصغير. و قال عبد العزيز التميمي عن أبى نصر عبد الوهاب بن عبد اللَّه المري: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق يقولون: إن في سقف الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنونيات، لا تدخله و لا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها، و لا يدخله غراب، و طلسم للفأر و الحيات و العقارب، فما رأى الناس من هذا شيئا إلا الفأر، و يشك أن يكون قد عدم طلسمها، و طلسم للعنكبوت حتى لا ينسج فيه، و في رواية فيركبه الغبار و الوسخ. قال الحافظ ابن عساكر: و سمعت جدي أبا الفضل يحيى بن على يذكر أنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، معلقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، و أنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق.
فلما احترقت الطلسمات حين أحرق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى و ستين و أربعمائة، و قد كانت بدمشق طلسمات كثيرة، و لم يبق منها سوى العمود الّذي بسوق العلبيين الّذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، و هي لعسر بول الدواب، إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق باطنها. و قد كان شيخنا ابن تيمية (رحمه اللَّه) يقول: إنما هذا قبر مشرك مفرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صراخه فزعت فانطلق باطنها و طبعها، قال: و لهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود و النصارى إذا مغلت فتنطلق طباعها و تروث، و ما ذاك إلا أنها تسمع أصواتهم و هم يعذبون و اللَّه أعلم
. ذكر الساعات التي على بابه
قال القاضي عبد اللَّه بن أحمد بن زبر: إنما سمى باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عمل هناك بلكار الساعات، كان يعمل بها كل ساعة تمضى من النهار، عليها عصافير من نحاس، و حية من نحاس و غراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير و صاح الغراب و سقطت حصاة في الطست فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، و كذلك سائرها. قلت: هذا يحتمل أحد شيئين إما أن تكون الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع، و هو الّذي يسمى باب الزيادة، و لكن قد قيل إنه محدث بعد بناء الجامع، و لا ينفى ذلك أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زبر،