البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢١ - ثم دخلت سنة ثنتين و مائة
ذلك من النفوس العديدة، و جعل الحسن يخطب الناس و يعظهم في ذلك، و يأمرهم بالكف، فبلغ ذلك نائب البصرة عبد الملك بن المهلب، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد و الجهاد، و النفر إلى القتال، ثم قال: و لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي- و لم يسمه- يثبط الناس، أما و اللَّه ليكفن عن ذلك أو لأفعلن و لأفعلن، و توعد الحسن، فلما بلغ الحسن قوله قال: أما و اللَّه ما أكره أن يكرمني اللَّه بهوانه، فسلمه اللَّه منه حتى زالت دولتهم، و ذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا، و لم ينشب الحرب شديدا حتى فر أهل العراق سريعا، و بلغهم أن الجسر الّذي جاءوا عليه حرق فانهزموا، فقال: يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ و لم يكن من الأمر ما يفرّ من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الّذي جاءوا عليه قد حرق. فقال: قبحهم اللَّه، ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه، فثبت في عصابة من أصحابه و جعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة قليلة، و هو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم، و أهل الشام يتجاوزون عنه يمينا و شمالا، و قد قتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حنقا و غيظا، و هو على فرس له أشهب، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه، و قتلوا معه أخاه محمد بن المهلب، و قتلوا السميدع، و كان من الشجعان، و كان الّذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له القحل بن عياش، فقتل إلى جانب يزيد ابن المهلب، و جاءوا برأس يزيد إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، و استحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب، و أسر منهم نحوا من ثلاثمائة، فبعث بهم إلى الكوفة، و بعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتابه بقتلهم، فسار مسلمة فنزل الحيرة و لما انتهت هزيمة ابن المهلب إلى ابنه معاوية و هو بواسط، عمد إلى نحو من ثلاثين أسيرا في يده فقتلهم، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عدي بن أرطاة (رحمه اللَّه) و ابنه، و مالك و عبد الملك ابنا مسمع، و جماعة من الأشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة و معه الخزائن من الأموال، و جاء معه عمه المفضل بن المهلب إليه، فاجتمع آل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن و تجهزوا أتم الجهاز و استعدوا للهرب، فساروا بعيالهم و أثقالهم حتى أتوا جبال كرمان فنزلوها، و اجتمع عليهم جماعة ممن فل من الجيش الّذي كان مع يزيد بن المهلب، و قد أمروا عليهم المفضل بن المهلب، فأرسل مسلمة جيشا عليهم هلال بن ماجور المحاربي في طلب آل المهلب، و يقال إنهم أمروا عليهم رجلا يقال له مدرك بن ضب الكلبي، فلحقهم بجبال كرمان فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، فقتل جماعة من أصحاب المفضل و أسر جماعة من أشرافهم و انهزم بقيتهم، ثم لحقوا المفضل فقتلوه و حمل رأسه إلى مسلمة بن عبد الملك، و أقبل جماعة من أصحاب يزيد بن المهلب فأخذوا لهم أمانا من أمير الشام