البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - ثم دخلت سنة تسع و تسعين
و فضل عقله على منطقه هجنة، و خير ذلك ما أشبه بعضه بعضا و قال: العاقل أحرص على اقامة لسانه منه على طلب معاشه، و قال أيضا: إن من تكلم فأحسن قادر على أن يسكت فيحسن، و ليس كل من سكت فأحسن قادرا على أن يتكلم فيحسن. و من شعره يتسلى عن صديق له مات فقال:
و هوّن و جدي في شراحيل أننى* * * متى شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
و من شعره أيضا:
و من شيمى ألّا أفارق صاحبي* * * و إن ملنى إلا سألت له رشدا
و إن دام لي بالود دمت و لم أكن* * * كآخر لا يرعى ذماما و لا عهدا
و سمع سليمان ليلة صوت غناء في معسكره فلم يزل يفحص حتى أتى بهم، فقال سليمان: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرّمكة، و إن الجمل ليهدر فتضبع له الناقة، و إن التيس لينبّ فتستخذى له العنز و إن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم أمر بهم فقال: اخصوهم، فيقال إن عمر بن عبد العزيز قال: يا أمير المؤمنين إنها مثلة، و لكن انفهم، فنفاهم. و في رواية أنه خصى أحدهم، ثم سأل عن أصل الغناء فقيل إنه بالمدينة، فكتب إلى عامله بها و هو أبو بكر بن محمد بن حزم يأمره أن يخصى من عنده من المغنين المخنثين.
و قال الشافعيّ: دخل أعرابى على سليمان فدعاه إلى أكل الفالوذج و قال له: إن أكلها يزيد في الدماغ فقال: لو كان هذا صحيحا لكان ينبغي أن يكون رأس أمير المؤمنين مثل [رأس] البغل.
و ذكروا أن سليمان كان نهما في الأكل، و قد نقلوا عنه أشياء في ذلك غريبة، فمن ذلك أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، و أربع و ثمانين كلوة بشحمها، و ثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على العادة في السماط العام [١]. و دخل ذات يوم بستانا له و كان قد أمر قيمه أن يجثى ثماره، فدخله و معه أصحابه فأكل القوم حتى ملوا، و استمر هو يأكل أكلا ذريعا من تلك الفواكه، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها ثم أقبل على أكل الفاكهة، ثم أتى بدجاجتين فأكلهما، ثم عاد إلى الفاكهة فأكل منها، ثم أتى بقعب يقعد فيه الرجل مملوءا سويقا و سمنا و سكرا فأكله ثم عاد إلى دار الخلافة، و أتى بالسماط فما فقدوا من أكله شيئا [٢]. و قد روى أنه عرضت له حمى عقب هذا الأكل أدته إلى الموت، و قد قيل إن سبب مرضه كان من أكل أربعمائة بيضة و سلتين تينا فاللَّه أعلم.
ذكر الفضل بن أبى المهلب أنه لبس في يوم جمعة حلة صفراء ثم نزعها و لبس بدلها حلة خضراء
[١] هذا و أمثاله من مبالغات الأعاجم التي كانوا يتقربون بها إلى بنى العباس. و سيأتي في ص ١٨٣ أن سليمان (رحمه اللَّه) أنه كان نحيفا جميلا، و هي صفة لا تتفق مع ما نسبوه اليه
[٢] الّذي اخترع هذه الأكاذيب نسي أن المعدة لا تقبل زيادة على حجمها، و قد قيل إذا كنت كذوبا فكن ذكورا