البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٥ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
و هو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير الّذي في المقصورة اليوم، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، و يأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، و لا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، و لا يضربوا بناقوسهم، إجلالا للصحابة و مهابة و خوفا. و قد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الامارة قبلي المسجد الّذي كان للصحابة، و بنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا. ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين و النصارى، من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست و ثمانين في ذي القعدة منها، و قد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة و إضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، و جعل الجميع مسجدا واحدا، و ذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للانجيل، و رفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، و أن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيصير كله معبدا للمسلمين، و يتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النصارى و سأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، و يعوضهم إقطاعات كثيرة، و عرضها عليهم، و أن يبقى بأيديهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، و هي كنيسة مريم، و كنيسة المصلبة داخل باب شرقى، و كنيسة تل الجبن، و كنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الاباء، فقال: ائتوني بعهودكم التي بأيديكم من زمن الصحابة، فأتوا بها فقرئت بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما على حافة النهر- لم تدخل في العهد، و كانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها و أجعلها مسجدا، فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين و ما ذكر من الكنائس و نحن نرضى و نطيب له نفسا ببقية هذه الكنيسة، فأقرهم على تلك الكنائس، و أخذ منهم بقية هذه الكنيسة. هذا قول، و يقال إن الوليد لما أهمه ذلك و عرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله، دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقى و من باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة و ذلك أنهم قاسوا من باب شرقى و من باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبا، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها. و حكى عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهموما فقلت: مالك يا أمير المؤمنين مهموما؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون و قد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى و بذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال: و ما هو؟ قلت:
الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من الباب شرقى بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبى عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، و فتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة