البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٣ - فصل
قد تاب منها و أقلع عنها، و إلا فهو باق في عهدتها، و لكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فان الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه، و ربما حرفوا عليه بعض الكلم. و زادوا فيما يحكونه عنه بشاعات و شناعات.
و قد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، و كان يكثر تلاوة القرآن، و يتجنب المحارم، و لم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، و إن كان متسرعا في سفك الدماء فاللَّه تعالى أعلم بالصواب و حقائق الأمور و ساترها، و خفيات الصدور و ضمائرها:
[قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه و صح من أفعاله سفك الدماء، و كفى به عقوبة عند اللَّه عز و جل، و قد كان حريصا على الجهاد و فتح البلاد، و كان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطى على القرآن كثيرا، و لما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم. و اللَّه أعلم.] [١].
و قال المعافى بن زكريا الجريريّ المعروف بابن طرار البغدادي: ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا أبى ثنا أحمد بن عبيد ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي ثنا عوانة بن الحكم الكلبي. قال:
دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع على، و يوم لك مع ابن الزبير، و يوم لك مع ابن الأشعث، و اللَّه لأستأصلنك كما تستأصل الشاة، و لأدمغنك كما تدمغ الصمغة. فقال أنس: إياي يعنى الأمير أصلحه اللَّه؟ قال: إياك أعنى صك اللَّه سمعك. قال أنس: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، و اللَّه لو لا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، و لا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا، و شفق عجبا، و تعاظم ذلك من الحجاج، و كان كتاب أنس إلى عبد الملك:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد:
فان الحجاج قال لي هجرا، و أسمعني نكرا، و لم أكن لذلك أهلا، فخذ لي على يديه، فانى أمتّ بخدمتي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صحبتي إياه، و السلام عليك و رحمة اللَّه و بركاته. فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد اللَّه بن أبى المهاجر- و كان مصادقا للحجاج- فقال له: دونك كتابيّ هذين فخذهما و اركب البريد إلى العراق، و ابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فارفع كتابي إليه و أبلغه منى السلام، و قل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، و كان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،
[١] زيادة من المصرية.