البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٢ - الزهري
ابن عبد العزيز، و عند يزيد بن عبد الملك، و استقضاه يزيد مع سليمان بن حبيب، ثم كان حظيا عند هشام، و حج معه و جعله معلم أولاده إلى أن توفى في هذه السنة، قبل هشام بسنة. و قال ابن وهب:
سمعت الليث يقول: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، قال: و كان يكره أكل التفاح و سؤر الفأرة، و يقول: إنه ينسى، و كان يشرب العسل و يقول إنه يذكى، و فيه يقول فايد بن أقرم.
زر ذا و أثن على الكريم محمد* * * و اذكر فواضله على الأصحاب
و إذا يقال من الجواد بماله* * * قيل الجواد محمد بن شهاب
أهل المدائن يعرفون مكانه* * * و ربيع ناديه على الأعراب
يشرى وفاء جفانه و يمدها* * * بكسور انتاج و فتق لباب
و قال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: حدث الزهري يوما بحديث فلما قام أخذت بلجام دابته فاستفهمته فقال: أ تستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، و لا رددت على عالم قط، ثم جعل ابن مهدي يقول فتلك الطوال و تلك المغازي.
و روى يعقوب بن سفيان عن هشام بن خالد السلامي عن الوليد بن مسلم عن سعيد- يعنى ابن عبد العزيز- أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يكتب لبنيه شيئا من حديثه، فأملى على كاتبه أربعمائة حديث ثم خرج على أهل الحديث فحدثهم بها، ثم إن هشاما قال للزهري: إن ذلك الكتاب ضاع، فقال: لا عليك، فأملى عليهم تلك الأحاديث فأخرج هشام الكتاب الأول فإذا هو لم يغادر حرفا واحدا، و إنما أراد هشام امتحان حفظه. و قال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحدا أحسن سوقا للحديث إذا حدث من الزهري. و قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار:
ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري، و لا أهون من الدينار و الدرهم عنده، و ما الدراهم و الدنانير عند الزهري إلا بمنزلة البعر. قال عمرو بن دينار: و لقد جالست جابرا و ابن عباس و ابن عمر و ابن الزبير فما رأيت أحدا أسيق للحديث من الزهري.
و قال الامام أحمد: أحسن الناس حديثا و أجودهم إسنادا الزهري، و قال النسائي: أحسن الأسانيد الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده على عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال سعيد عن الزهري: مكثت خمسا و أربعين سنة أختلف من الحجاز إلى الشام، و من الشام إلى الحجاز، فما كنت أسمع حديثا أستطرفه. و قال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، و لو سمعته يحدث في الترغيب و الترهيب لقلت: ما يحسن غير هذا، و إن حدث عن الأنبياء و أهل الكتاب قلت لا يحسن إلا هذا، و إن حدث عن الأعراب و الأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، و إن حدث عن القرآن و السنة كان حديثه بدعا جامعا، و كان يقول: اللَّهمّ إني أسألك من كل خير أحاط به علمك