البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٥ - ثم دخلت سنة خمس و ثمانين
ابن عقب صاحب الملحمة. و هو تابعي جليل، روى عن أبيه- و كانت له صحبة- و تميم الداريّ، و عبادة بن الصامت و معاوية و كعب الأحبار و غيرهم، و عنه جماعة منهم عبادة بن نسي. كان روح عند عبد الملك كالوزير لا يكاد يفارقه، و كان مع أبيه مروان يوم مرج راهط، و قد أمره يزيد بن معاوية على جند فلسطين، و زعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة، و لم يتابع مسلم على هذا القول، و الصحيح أنه تابعي و ليس بصحابى، و من مآثره التي تفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمام يعتق نسمة، قال ابن زيد: مات سنة أربع و ثمانين بالأردن، و زعم بعضهم أنه بقي إلى أيام هشام بن عبد الملك، و قد حج مرة فنزل على ماء بين مكة و المدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه و قال: إني صائم، فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعى؟ فقال الراعي: أ فأغبن أيامى من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانا فنزله و ترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع:-
لقد ضننت بأيامك يا راعى* * * إذ جاد بها روح بن زنباع
ثم إن روحا بكى طويلا و أمر بتلك الأطعمة فرفعت، و قال: انظروا هل تجدون لها آكلا من هذه الأعراب أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان و قد أخذ الراعي بمجامع قلبه و صغرت إليه نفسه و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة خمس و ثمانين
فيها كما ذكر ابن جرير كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث فاللَّه أعلم، و فيها عزل الحجاج عن إمرة خراسان يزيد بن المهلب و ولى عليها أخاه المفضل بن المهلب، و كان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مر بدير فقيل له إن فيه شيخا كبيرا من أهل الكتاب عالما، فدعى فقال: يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه و ما نحن فيه؟ قال: نعم. قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده ملكا أقرع، من يقم في سبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ما ذا؟ قال ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس، قال: فتعرفني له قال: قد أخبرت بك. قال: أ فتعرف مآلى؟ قال: نعم! قال: فمن يلي العراق بعدي؟ قال رجل يقال له يزيد، قال أ في حياتي أو بعد موتى؟ قال لا أدرى، قال: أ فتعرف صفته؟ قال يغدر غدرة لا أعرف غيرها قال: فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب، و سار سبعا و هو وجل من كلام الشيخ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده؟ فجاء الكتاب بالتقريع و التأنيب و التوبيخ و الأمر بالثبات و الاستمرار على ما هو عليه. ثم إن الحجاج جلس يوما مفكرا و استدعى