البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٢
ابن الحكم مالا أربعة آلاف دينار، فلم يتعرض له أحد من بنى مروان، حتى استخلف هشام فقال:
ما فعل حقنا قبلك؟ قال: موفور مشكور، فقال! هو لك.
[قلت: هذا الكلام فيه نظر، و ذلك أن على بن الحسين مات سنة الفقهاء، و هي سنة أربع و تسعين، قبل أن يلي هشام الخلافة بإحدى عشرة سنة، فإنه إنما ولى الخلافة سنة خمس و مائة، فقول المؤلف: إن أحدا من خلفاء بنى مروان لم يتعرض لمطالبة على بن الحسين حتى ولى هشام فطالبه بالمال المذكور، فيه نظر و لا يصح، لتقدم موت على على خلافة هشام، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم] [١] و كان هشام من أكره الناس لسفك الدماء، و لقد دخل عليه من مقتل زيد بن على و ابنه يحيى أمر شديد و قال: وددت أنى افتديتهما بجميع ما أملك. و قال المدائني عن رجل من حيي عن بشر مولى هشام قال: أتى هشام برجل عنده قيان و خمر و بربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه و قرنه، فبكى الشيخ، قال بشر: فضربه، قال أ تراني أبكى للضرب، إنما أبكى لاحتقارك البربط حتى سميته طنبورا، و أغلظ لهشام رجل يوما في الكلام فقال: ليس لك أن تقول هذا لامامك. و تفقد أحد ولده يوم الجمعة فبعث إليه مالك لم تشهد الجمعة؟ فقال: إن بغلتي عجزت عنى، فبعث إليه أما كان يمكنك المشي، و منعه أن يركب سنة، و أن يشهد الجمعة ماشيا و ذكر المدائني أن رجلا أهدى إلى هشام طيرين فأوردهما السفير إلى هشام، و هو جالس على سرير في وسط داره، فقال له: أرسلهما في الدار، فأرسلهما، ثم قال: جائزتي يا أمير المؤمنين فقال:
ويحك و ما جائزتك على هدية طيرين؟ خذ أحدهما، فجعل الرجل يسعى خلف أحدهما، فقال:
ويحك ما بالك؟ فقال أختار أجودهما: قال: و تختار أيضا الجيد و تترك الرديء؟ ثم أمر له بأربعين أو خمسين درهما. و ذكر المدائني عن محرم [٢] كاتب يوسف بن عمر، قال: بعثني يوسف إلى هشام بياقوتة حمراء و لؤلؤة كانتا لرابعة، جارية خالد بن عبد اللَّه القسري، مشتري الياقوتة ثلاثة و سبعون ألف دينار، قال: فدخلت عليه و هو على سرير فوقه فرش لم أر رأس هشام من علو تلك الفرش، فأوريتها له، فقال: كم زنتها؟ فقلت: إن مثل هذه لا مثل لها، فسكت. قالوا: و رأى قوما يفرطون الزيتون فقال القطوه لقطا و لا تنفضوه نفضا، فتفقأ عيونه و تكسر غصونه، و كان يقول: ثلاثة لا يضعن الشريف: تعاهد الصنيعة، و إصلاح المعيشة، و طلب الحق و إن قل. و قال أبو بكر الخرائطى:
يقال إن هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى* * * إلى كل ما فيه عليك مقال
و قد روى له شعر غير هذا، و قال المدائني عن ابن يسار الأعرجي حدثني ابن أبى بجيلة عن عقال بن
[١] زيادة من المصرية.
[٢] كذا و لم نجد له مرجعا.