البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - ثم دخلت سنة إحدى و مائة
النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يره، و أدى في زمانه الزكاة ثلاث سنين إلى عمال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و مثل هذا يسميه أئمة الحديث مخضرما، و هاجر إلى المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فسمع منه و من على و ابن مسعود و خلق من الصحابة و صحب سلمان الفارسي ثنتى عشرة سنة حتى دفنه، و روى عنه جماعة من التابعين و غيرهم، منهم أيوب، و حميد الطويل، و سليمان بن طرخان التيمي، و قال عاصم الأحول: سمعته يقول: أدركت في الجاهلية يغوث صنما من رصاص يحمل على جمل أجرد، فإذا بلغ واديا برك فيه فيقولون: قد رضى ربكم لكم هذا الوادي فينزلون فيه، قال: و سمعته و قد قيل له أدركت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: نعم! أسلمت على عهده، و أديت إليه الزكاة ثلاث مرات، و لم ألقه، و شهدت اليرموك و القادسية و جلولاء و نهاوند. كان أبو عثمان صوّاما قوّاما، يسرد الصوم و يقوم الليل لا يتركه، و كان يصلى حتى يغشى عليه، و حج ستين مرة ما بين حجة و عمرة، قال سليمان التيمي: إني لأحسبه لا يصيب ذنبا، لأنه ليله قائما و نهاره صائما، و قال بعضهم: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: أتت على ثلاثون و مائة سنة و ما منى شيء إلا و قد أنكرته خلا أملى فانى أجده كما هو. و قال ثابت البناني عن أبى عثمان. قال: إني لأعلم حين يذكرني ربى عز و جل، قال فيقول: من أين تعلم ذلك؟ فيقول قال اللَّه تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فإذا ذكرت اللَّه ذكرني. قال: و كنا إذا دعونا اللَّه قال: و اللَّه لقد استجاب اللَّه لنا، قال اللَّه تعالى وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا: و عاش مائة و ثلاثين سنة، قاله هشيم و غيره. قال المدائني و غيره: توفى سنة مائة، و قال الفلاس: توفى سنة خمس و تسعين، و الصحيح سنة مائة و اللَّه أعلم.
و فيها توفى عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، و كان يفضل على والده في العبادة و الانقطاع عن الناس، و له كلمات حسان مع أبيه و وعظه إياه.
ثم دخلت سنة إحدى و مائة
فيها كان هرب يزيد بن المهلب من السجن حين بلغه مرض عمر بن عبد العزيز، فواعد غلمانه يلقونه بالخيل في بعض الأماكن، و قيل بابل له، ثم نزل من محبسه و معه جماعة و امرأته عاتكة بنت الفرات العامرية، فلما جاء غلمانه ركب رواحله و سار، و كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني و اللَّه ما خرجت من سجنك إلا حين بلغني مرضك، و لو رجوت حياتك ما خرجت، و لكنى خشيت من يزيد بن عبد الملك فإنه يتوعدنى بالقتل، و كان يزيد يقول: لئن وليت لأقطعن من يزيد بن المهلب طائفة، و ذلك أنه لما ولى العراق عاقب أصهاره آل عقيل، و هم بيت الحجاج بن يوسف الثقفي، و كان يزيد بن عبد الملك مزوجا ببنت محمد بن يوسف، و له ابنه الوليد بن يزيد الفاسق المقتول كما سيأتي.
و لما بلغ عمر بن عبد العزيز أن يزيد بن المهلب هرب من السجن قال: اللَّهمّ إن كان يريد بهذه الأمة