البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و مائة
إياس فأعلمه، ثم جاء ذلك الرجل من الغد رجاء أن يودع فانتهره إياس و طرده و قال له: أنت خائن.
و تحاكم إليه اثنان في جارية فادعى المشترى أنها ضعيفة العقل، فقال لها إياس: أي رجليك أطول؟
فقالت: هذه. فقال لها: أ تذكرين ليلة ولدت؟ فقالت نعم. فقال للبائع رد رد.
و روى ابن عساكر أن إياسا سمع صوت امرأة من بيتها فقال: هذه امرأة حامل بصبي، فلما ولدت ولدت كما قال، فسئل بم عرفت ذلك؟ قال: سمعت صوتها و نفسها معه فعلمت أنها حامل، و في صوتها ضحل فعلمت أنه غلام. قالوا ثم مر يوما ببعض المكاتب فإذا صبي هنالك فقال: إن كنت أدرى شيئا فهذا الصبى ابن تلك المرأة، فإذا هو ابنها. و قال مالك عن الزهري عن أبى بكر قال شهد رجل عند إياس فقال له: ما اسمك؟ فقال أبو العنفر فلم يقبل شهادته. و قال الثوري عن الأعمش:
دعوني إلى إياس فإذا رجل كلما فرغ من حديث أخذ في آخر. و قال إياس: كل رجل لا يعرف عيب نفسه فهو أحمق، فقيل له: ما عيبك؟ فقال كثرة الكلام. قالوا: و لما ماتت أمه بكى عليها فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما. و قال له أبوه: إن الناس يلدون أبناء و ولدت أنا أبا. و كان أصحابه يجلسون حوله و يكتبون عنه الفراسة، فبينما هم حوله جلوس إذ نظر إلى رجل قد جاء فجلس على دكة حانوت، و جعل كلما مر أحد ينظر إليه، ثم قام فنظر في وجه رجل ثم عاد، فقال لأصحابه: هذا فقيه كتاب قد أبق له غلام أعور فهو يتطلبه، فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه فوجدوه كما قال إياس، فقالوا لا ياس: من أين عرفت ذلك؟ فقال: لما جلس على دكة الحانوت علمت أنه ذو ولاية، ثم نظرت فإذا هو لا يصلح إلا لفقهاء المكتب، ثم جعل ينظر إلى كل من مر به فعرفت أنه قد فقد غلاما، ثم لما قام فنظر إلى وجه ذلك الرجل من الجانب الآخر، عرفت أن غلامه أعور. و قد أورد ابن خلكان أشياء كثيرة في ترجمته، من ذلك أنه شهد عنده رجل في بستان فقال له: كم عدد أشجاره؟ فقال له: كم عدد جذوع هذا المجلس الّذي أنت فيه من مدة سنين؟ فقلت: لا أدرى و أقررت شهادته.
ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و مائة
ذكر المدائني عن شيوخه أن خاقان ملك الترك لما قتل في ولاية أسد بن عبد اللَّه القسري على خراسان، تفرق شمل الأتراك، و جعل بعضهم يغير على بعض، و بعضهم يقتل بعضا، حتى كادت أن تخرب بلادهم، و اشتغلوا عن المسلمين. و فيها سأل أهل الصغد من أمير خراسان نصر بن سيار أن يردهم إلى بلادهم، و سألوه شروطا أنكرها العلماء، منها أن لا يعاقب من ارتد منهم عن الإسلام، و لا يؤخذ أسير المسلمين منهم، و غير ذلك، فأراد أن يوافقهم على ذلك لشدة نكايتهم في المسلمين، فعاب عليه الناس ذلك، فكتب إلى هشام في ذلك فتوقف، ثم لما رأى أن هؤلاء إذا استمروا على