البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٧ - إياس الذكي
يأتيهما، فقال القاسم لعدي: و اللَّه الّذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل منى و أفقه منى، و أعلم بالقضاء، فان كنت صادقا فوله، و إن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولى كاذبا القضاء. فقال إياس: هذا رجل أوقف على شفير جهنم فافتدى منها بيمين كاذبة يستغفر اللَّه، فقال عدي: أما إذا فطنت إلى هذا فقد وليتك القضاء. فمكث سنة يفصل بين الناس و يصلح بينهم، و إذا تبين له الحق حكم به، ثم هرب إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء، فولى عدي بعده الحسن البصري.
قالوا: لما تولى إياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال أيوب: لقد رموها بحجرها، و جاءه الحسن و ابن سيرين فسلما عليه، فبكى إياس و ذكر
الحديث «القضاة ثلاثة، قاضيان في النار و واحد في الجنة».
فقال الحسن وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إلى قوله وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً قالوا: ثم جلس للناس في المسجد و اجتمع عليه الناس للخصومات، فما قام حتى فصل سبعين قضية، حتى كان يشبه بشريح القاضي. و روى أنه كان إذا أشكل عليه شيء بعث إلى محمد بن سيرين فسأله منه. و قال إياس: إني لأكلم الناس بنصف عقلي، فإذا اختصم إلى اثنان جمعت لهما عقلي كله. و قال له رجل: إنك لتعجب برأيك، فقال: لو لا ذلك لم أقض به، و قال له آخر: إن فيك خصالا لا تعجبني، فقال: ما هي؟ فقال: تحكم قبل أن تفهم، و لا تجالس كل أحد، و تلبس الثياب الغليظة. فقال له: أيها أكثر الثلاثة أو الاثنان؟ قال: الثلاثة. فقال: ما أسرع ما فهمت و أجبت، فقال أو يجهل هذا أحد؟ فقال: و كذلك ما أحكم أنا به، و أما مجالستي لكل أحد فلأن أجلس مع من يعرف لي قدري أحب إلى من أن أجلس مع من لا يعرف لي قدري، و أما الثياب الغلاظ فأنا ألبس منها ما يقيني لا ما أقيه أنا. قالوا، و تحاكم إليه اثنان فادعى أحدهما عند الآخر مالا، و جحده الآخر، فقال إياس للمودع: أين أودعته؟ قال: عند شجرة في بستان. فقال: انطلق إليها فقف عندها لعلك تتذكر، و في رواية أنه قال له: هل تستطيع أن تذهب إليها فتأتى بورق منها؟ قال: نعم! قال فانطلق، و جلس الآخر فجعل إياس يحكم بين الناس و يلاحظه، ثم استدعاه فقال له: أ وصل صاحبك بعد إلى المكان؟ فقال: لا بعد أصلحك اللَّه. فقال له: قم يا عدو اللَّه فأد إليه حقه، و إلا جعلتك نكالا. و جاء ذلك الرجل فقام معه فدفع إليه وديعته بكمالها. و جاء آخر فقال له: إني أودعت عند فلان مالا و قد جحدنى، فقال له: اذهب الآن و ائتني غدا. و بعث من فوره إلى ذلك الرجل الجاحد فقال له: إنه قد اجتمع عندنا هاهنا مال فلم نر له أمينا نضعه عنده إلا أنت، فضعه عندك في مكان حريز. فقال له سمعا و طاعة، فقال له اذهب الآن و ائتني غدا، و أصبح ذلك الرجل صاحب الحق فجاء فقال له: اذهب الآن إليه فقل له أعطني حقي و إلا رفعتك إلى القاضي، فقال له ذلك فخاف أن لا يودع إذا سمع الحاكم خبره، فدفع إليه ماله بكماله، فجاء إلى