البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - أما الحسن
دين حيث ما زال زال معه، لا يخلفه في الرحال، و لا يأتمن عليه الرجال. و قال في قوله تعالى:
وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال: لا تلقى المؤمن إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمة كذا، ما أردت بأكلة كذا، ما أردت بمجلس كذا، و أما الفاجر فيمضى قدما قدما لا يلوم نفسه. و قال: تصبروا و تشددوا فإنما هي ليال تعد، و إنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب و لا يلتفت، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس و حال بينهم و بين شهواتهم، و إنما يصبر على هذا الحق من عرف فضله و عاقبته. و قال: لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، و كانت المحاسبة من همته.
و قال ابن أبى الدنيا في محاسبة النفس: حدثنا عبد اللَّه حدثنا إسماعيل بن زكريا حدثنا عبد اللَّه ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه للَّه عز و جل، و إنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، و إنما شق الحساب يوم القيامة على أقوام أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء و يعجبه فيقول: و اللَّه إنك لمن حاجتي و إني لأشتهيك، و لكن و اللَّه ما من صلة إليك، هيهات حيل بيني و بينك، و يفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا أبدا إن شاء اللَّه: إن المؤمنين قوم قد أوثقهم القرآن و حال بينهم و بين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى اللَّه عز و جل، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه و بصره و لسانه، و في جوارحه كلها. و قال: الرضا صعب شديد، و إنما معول المؤمن الصبر. و قال: ابن آدم عن نفسك فكايس، فإنك إن دخلت النار لم تجبر بعدها أبدا. و قال ابن أبى الدنيا: أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت حماد بن زيد يذكر عن الحسن قال: المؤمن في الدنيا كالغريب لا ينافس في غيرها و لا يجزع من ذلها، للناس حال و له حال، الناس منه في راحة، و نفسه منه في شغل. و قال: لو لا البلاء ما كان في أيام قلائل ما يهلك المرء نفسه. و قال: أدركت صدر هذه الأمة و خيارها و طال عمري فيهم، فو اللَّه إنهم كانوا فيما أحل اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرم للَّه عليكم، أدركتهم عاملين بكتاب ربهم، متبعين سنة نبيهم، ما طوى أحدهم ثوبا، و لا جعل بينه و بين الأرض شيئا، و لا أمر أهله بصنع طعام، كان أحدهم يدخل منزله فان قرب اليه شيء أكل و إلا سكت فلا يتكلم في ذلك. و قال إن المنافق إذا صلى صلى رياء أو حياء من الناس أو خوفا، و إذا صلى صلى فقرأهم الدنيا، و إن فاتته الصلاة لم يندم عليها و لم يحزنه فواتها.
و قال الحسن فيما رواه عنه صاحب كتاب النكت: من جعل الحمد للَّه على النعم حصنا و حابسا و جعل أداء الزكاة على المال سياجا و حارسا، و جعل العلم له دليلا و سائسا، أمن العطب، و بلغ أعلى الرتب. و من كان للمال قانصا، و له عن الحقوق حابسا، و شغله و ألهاه عن طاعة اللَّه كان لنفسه ظالما