البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
الّذي حملكم عليه الامام المظلوم، و عليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم (رحمه اللَّه)، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت و نعم المشير كان للإسلام (رحمه اللَّه)، فأحكما ما أحكما، و استقصيا ما شذ عنهما. و قال ابن جريج عن أبيه: حج علينا عبد الملك سنة خمس و سبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين، فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال و يوكلون، و إني و اللَّه لا أداوى أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، و لست بالخليفة المستضعف- يعنى عثمان- و لا الخليفة المداهن- يعنى معاوية- و لا الخليفة المأبون- يعنى يزيد بن معاوية- أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته و ابنه، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، و إن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، و قد أعطيت اللَّه عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب. و قال الأصمعي: ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد عن أبيه عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بكرا فأنشأ قائده يقول:-
يا أيها البكر الّذي أراكا* * * عليك سهل الأرض في ممشاكا
ويحك هل تعلم من علاكا* * * خليفة اللَّه الّذي امتطاكا
لم يحب بكرا مثل ما حباكا
فلما سمعه عبد الملك قال: أيها يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف. و قال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، و إنا نسكت حصرا و لا ننطق هذرا، و نحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، و علينا تدلت أغصانه، و بعد مقامنا هذا مقام، و بعد عينا هذا مقال، و بعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب و موضع الصواب. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: و كيف لا و أنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ و قال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: و تنسى ارتقاء المنبر و مخافة اللحن؟ و لحن رجل عند عبد الملك- يعنى أسقط من كلامه الفا- فقال له عبد الملك زد ألف، فقال الرجل: و أنت فزد ألفا، و قال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضا سريعا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه و لا جاف عنه، و روى ابن أبى الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره: إذا رفعت له شجرة، سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة، و نحو ذلك.
و روى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك فقال: إنه كان عليه اسم اللَّه عز و جل. و قال غير واحد: كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيافون على رأسه بالسيف فينشد، و قال بعضهم: يأمر من ينشد فيقول: