البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٠ - ذكر بيعة عبد الملك لولده الوليد- ثم من بعده لأخيه سليمان بن عبد الملك
قال: فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله عن الخلافة للوليد فأبى عليه، و قدر اللَّه سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حينئذ مما أراد من بيعة الوليد و سليمان و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ذكر بيعة عبد الملك لولده الوليد- ثم من بعده لأخيه سليمان بن عبد الملك
و كان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان، بويع له بدمشق ثم في سائر الأقاليم ثم لسليمان من بعده، ثم لما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك لأحد، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة فضربه ستين سوطا، و ألبسه ثيابا من شعر و أركبه جملا و طاف به في المدينة، ثم أمر به فذهبوا به إلى ثنية ذباب- و هي الثنية التي كانوا يصلون عندها و يقيلون- فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن، فقال لهم: و اللَّه لو أعلم أنكم لا تقتلوننى لم ألبس هذا الثياب. ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد في ذلك، فكتب إليه يعنفه في ذلك و يأمره بإخراجه و يقول له: إن سعيدا كان أحق منك بصلة الرحم مما فعلت به، و إنا لنعلم أن سعيدا ليس عنده شقاق و لا خلاف، و يروى أنه قال له: ما ينبغي إلا أن يبايع، فان لم يبايع ضربت عنقه أو خليت سبيله. و ذكر الواقدي أن سعيدا لما جاءت بيعة الوليد امتنع من البيعة فضربه نائبها في ذلك الوقت- و هو جابر بن الأسود بن عوف- ستين سوطا أيضا و سجنه فاللَّه أعلم.
قال أبو مخنف و أبو معشر و الواقدي: و حج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة، و كان على العراق و المشرق بكماله الحجاج، قال شيخنا الحافظ الذهبي: و توفى في هذه السنة أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة، كان من فقهاء المدينة العشرة، قاله يحيى بن القطان.
و قال محمد بن سعد: كان ثقة و كان به صمم و وضح كثير، و أصابه الفالج قبل أن يموت. عبد اللَّه ابن عامر بن ربيعة. عمرو بن حريث. عمرو بن سلمة. واثلة بن الأسقع. شهد واثلة تبوك ثم شهد فتح دمشق و نزلها، و مسجده بها عند حبس باب الصغير من القبلة. قلت: و قد احترق مسجده في فتنة تمرلنك و لم يبق منه إلا رسومه، و على بابه من الشرق قناة ماء. خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية، كان أعلم قريش بفنون العلم، و له يد طولى في الطب، و كلام كثير في الكيمياء، و كان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش، و كان خالد فصيحا بليغا شاعرا منطيقا كأبيه، دخل يوما على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبى العاص، فشكى إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد اللَّه بن يزيد، فقال عبد الملك: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة) فقال له خالد: (وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَ