البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - فصل
و قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، و ترك يوسف في السجن سبع سنين، و مسخ بختنصّر في السباع سبع سنين. و سئل وهب عن الدنانير و الدراهم فقال: هي خواتيم رب العالمين، فالأرض لمعايش بنى آدم لا تؤكل و لا تشرب، فأينما ذهبت بخاتم رب العالمين قضيت حاجتك، و هي أزمة المنافقين بها يقادون إلى الشهوات. و روى داود بن عمر الضبي عن ابن المبارك عن معمر عن سماك ابن المفضل عن وهب قال: مثل الّذي يدعو بغير عمل مثل الّذي يرمى بغير وتر. و قال ابن المبارك:
أخبرنى عمر بن عبد الرحمن بن مهرب قال: سمعت وهبا يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من اللَّه عز و جل أن أعبده رجاء ثواب الجنة فقط، فأكون كالأجير السوء، إن أعطى عمل و إن لم يعط لم يعمل، و إني لأستحي من اللَّه أن أعبده مخافة النار فقط، فأكون كالعبد السوء إن رهب عمل و إن ترك لم يعمل، و إني ليستخرج منى حب اللَّه ما لا يستخرج مني غيره.
و قال السري بن يحيى: كتب وهب إلى مكحول: إنك قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبة و شرفا، فاطلب بما بطن من علم الإنسان عند اللَّه محبة و زلفى، و اعلم أن إحدى المحبتين تمنع الأخرى- أو قال: سوف تمنعك الأخرى- و قال زافر بن سليمان عن أبى سنان الشيباني قال:
بلغنا أن وهب بن منبه قال قال لقمان لابنه: يا بنى اتخذ طاعة اللَّه تجارة تريد بها ربح الدنيا و الآخرة، و الايمان سفينتك التي تحمل عليها، و التوكل على اللَّه شراعها، و الدنيا بحرك، و الأيام موجك، و الأعمال الصالحة تجارتك التي ترجو ربحها، و النافلة هي هديتك التي ترجو بها كرامتك، و الحرص عليها يسيرها و يزجيها، ورد النفس عن هواها مراسيها، و الموت ساحلها، و اللَّه ملكها و إليه مصيرها. و أحب التجار إلى اللَّه و أفضلهم و أقربهم منه أكثرهم بضاعة و أصفاهم نية، و أخلصهم هدية. و أبغضهم إليه أقلهم بضاعة، و أرد أهم هدية، و أخبثهم طوية، فكلما حسنت تجارتك ازداد ربحك، و كلما خلصت هديتك تكرم. و في رواية عنه أنه قال: قال لقمان لابنه: يا بنى اتخذ طاعة اللَّه بضاعة تأتك الأرباح من كل مكان، و اجعل سفينتك تقوى اللَّه، و حشوها التوكل على اللَّه، و شراعها الايمان باللَّه، و بحرك العلم النافع و العمل الصالح لعلك أن تنجو، و ما أراك بناج. و قال عبد اللَّه بن المبارك عن رباح بن زيد عن رجل قال: إن للعلم طغيانا كطغيان المال.
و قال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الصنعاني حدثنا أبو قدامة همام بن مسلمة بن عقبة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن منبه قال: سمعت عمى وهب بن منبه يقول: الأجر من اللَّه عز و جل معروض، و لكن لا يستوجبه من لا يعمل، و لا يجده من لا يبتغيه، و لا يبصره من لا ينظر إليه، و طاعة اللَّه قريبة ممن يرغب فيها، بعيدة ممن زهد فيها، و من يحرص عليها يصل إليها، و من لا يحبها لا يجدها، لا تسبق من سعى إليها، و لا يدركها من أبطأ عنها، و طاعة اللَّه تشرف من أكرمها،