البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، و ما بالصلح تركناه بأيديهم، و أرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عنى، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة و مسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عمالا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع و كسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم و قال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم، فقالوا: إنك أولا دفعت إلينا الأموال و أقطعتنا الأقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقى لنا هذه الكنائس الأربع بأيدينا، و نحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس و اللَّه أعلم.
و قيل إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم تلك الكنيسة التي أخذت منهم، و أخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها فاللَّه أعلم.
ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم و اجتمع إليه الأمراء و الكبراء، و جاء إليه أساقفة النصارى و قساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال الوليد:
أنا أحب أن أجن في اللَّه، و اللَّه لا يهدم فيها أحد شيئا قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، و كانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها، الّذي يسمونه الشاهد، و هو تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان:
احذر الشاهد، فقال: أنا أول ما أضع فأسى في رأس الشاهد، ثم كبر و ضربه فهدمه، و كان على الوليد قباء أصفر لونه سفرجلىّ قد غرز أذياله في المنطقة، ثم أخذ فأسا بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، و كبر المسلمون ثلاث تكبيرات، و صرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، و كانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة و هو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك، فهدم الوليد و الأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح و الأبنية و الحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها كما سنذكره.
و قد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع و المهندسين و الفعلة، و كان المستحث على عمارته أخوه و ولى عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، و يقال إن الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام و غير ذلك، ليستعين بهم على عمارة هذا المسجد على ما يريد، و أرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، و ليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى