البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - على بن الحسين
أحاطت به أحزانه و همومه* * * و أبلس لما أعجزته المقادر
فليس له من كربة الموت فارج* * * و ليس له مما يحاذر ناصر
و قد جشأت خوف المنية نفسه* * * ترددها منه اللها و الحناجر
هنالك خف عواده، و أسلمه أهله و أولاده، و ارتفعت البرية بالعويل، و قد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، و مد عند خروج روحه رجليه، و تخلى عند الصديق، و الصاحب الشفيق.
فكم موجع يبكى عليه مفجع* * * و مستنجد صبرا و ما هو صابر
و مسترجع داع له اللَّه مخلصا* * * يعدد منه كل ما هو ذاكر
و كم شامت مستبشر بوفاته* * * و عما قليل للذي صار صائر
فشقت جيوبها نساؤه، و لطمت خدودها إماؤه، و أعول لفقده جيرانه، و توجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، و شمروا لا برازه، كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، و لا الحبيب المبدى.
و حل أحب القوم كان بقربة* * * يحث على تجهيزه و يبادر
و شمر من قد أحضروه لغسله* * * و وجه لما فاض للقبر حافر
و كفن في ثوبين و اجتمعت له* * * مشيعة إخوانه و العشائر
فلو رأيت الأصغر من أولاده، و قد غلب الحزن على فؤاده، و يخشى من الجزع عليه، و خضبت الدموع عينيه، و هو يندب أباه و يقول: يا ويلاه وا حرباه:-
لعاينت من قبح المنية منظرا* * * يهال لمرآه و يرتاع ناظر
أكابر أولاد يهيج اكتئابهم* * * إذا ما تناساه البنون الأصاغر
و ربّة نسوان عليه جوازع* * * مدامعهم فوق الخدود غوازر
ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد و هيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله و أحاطت به خطاياه، و ضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، و أكثروا البكاء عليه و الانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، و أيسوا من النظر إليه، و تركوه رهنا بما كسب و طلب
فولوا عليه معولين و كلهم* * * لمثل الّذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع آمنين بدا لها* * * بمديته بادى الذراعين حاسر
فريعت و لم ترتع قليلا و أجفلت* * * فلما نأى عنها الّذي هو جازر
عادت إلى مرعاها، و نسيت ما في أختها دهاها، أ فبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟
عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، و اعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
ثوى مفردا في لحده و توزعت* * * مواريثه أولاده و الأصاهر