البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - و ممن توفى فيها من الأعيان
خودته، فنظر إليه يزيد بن المهلب فقال: ما رأيت منظرا أحسن من هذا، من هذا الرجل؟ قالوا:
ابن أبى سبرة. فقال: نعم الرجل لو لا انهما كه في الشراب. ثم صمم يزيد على محاصرة جرجان، و ما زال يضيق على صاحبها حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم و أربعمائة ألف دينار، و مائتي ألف ثوب، و أربعمائة حمار موقرة زعفرانا، و أربعمائة رجل على رأس كل رجل ترس، على الترس طيلسان و جام من فضة و سرقة من حرير، و هذه المدينة كان سعيد بن العاص فيها فتحها صلحا على أن يحملوا الخراج في كل سنة مائة ألف، و في سنة مائتي ألف، و في بعض السنين ثلاثمائة ألف، و يمنعون ذلك في بعض السنين، ثم امتنعوا جملة و كفروا، فغزاهم يزيد بن المهلب و ردها صلحا على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص. قالوا: و أصاب يزيد بن المهلب من غيرها أموالا كثيرة جدا، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة، فقال: أ ترون أحدا يزهد في هذا؟ قالوا:
لا نعلمه، فقال: و اللَّه إني لأعلم رجلا لو عرض عليه هذا و أمثاله لزهد فيه، ثم دعا بمحمد بن واسع- و كان في الجيش مغازيا- فعرض عليه أخذ التاج فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: أقسمت عليك لتأخذنه، فأخذه و خرج به من عنده، فأمر يزيد رجلا أن يتبعه فينظر ما ذا يصنع بالتاج، فمر بسائل فطلب منه شيئا فأعطاه [التاج] بكماله و انصرف، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج و عوضه عنه مالا كثيرا و قال على بن محمد المدائني قال أبو بكر الهذلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا إليه أنه أخذ خريطة فيها مائة دينار، فسأله عنها فقال: نعم و أحضرها، فقال له يزيد: هي لك، ثم استدعى الّذي وشى به فشتمه، فقال في ذلك القطامي الكلبي، و يقال إنها لسنان بن مكمل النميري
لقد باع شهر دينه بخريطة* * * فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
أخذت به شيئا طفيفا و بعته* * * من ابن جونبوذان هذا هو الغدر
و قال مرة بن النخعي:
يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ* * * لولاك كان كصالح القراء
قال ابن جرير: و يقال إن يزيد بن المهلب كان في غزوة جرجان في مائة ألف و عشرين ألفا، منهم ستون ألفا من جيش الشام أثابهم اللَّه، و قد تمهدت تلك البلاد بفتح جرجان و سلكت الطرق، و كانت قبل ذلك مخوفة جدا، ثم عزم يزيد على المسير إلى خوزستان، و قدم بين يديه سرية هي أربعة آلاف من سراة الناس، فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا، و قتل من المسلمين في المعركة أربعة آلاف إنا للَّه و إنا إليه راجعون. ثم إن يزيد عزم على فتح البلاد لا محالة، و ما زال حتى صالحه صاحبها- و هو الاصبهبذ- بمال كثير، سبعمائة ألف في كل عام، و غير ذلك من المتاع و الرقيق.
و ممن توفى فيها من الأعيان: