البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - ثم دخلت سنة ثلاث و ثمانين
خطيبا فذكر غدرهم و نكولهم عن الحرب، و قال: لا حاجة لي بكم، و أنا ذاهب إلى صاحبي رتبيل فأكون عنده. ثم انصرف عنهم و تبعه طائفة منهم و بقي معظم الجيش. فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عياش بن أبى ربيعة الهاشمي، و ساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، و كتب إلى عبد الرحمن بن عياش يقول له: إن في البلاد متسعا فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان فانى أكره قتالك، و إن كنت تريد مالا بعثت إليك. فقال له: إنا لم نجيء لقتال أحد، و إنما جئنا نستريح و نريح خيلنا ثم نذهب و ليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت. ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كور خراسان، فخرج إليه يزيد بن الملهب و معه أخوه المفضل في جيوش كثيفة، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عياش، و قتل يزيد منهم مقتلة كبيرة، و احتاز ما في معسكره، و بعث بالأسارى و فيهم محمد بن سعد بن أبى وقاص إلى الحجاج، و يقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب: أسألك بدعوة أبى لأبيك لما أطلقتنى، فأطلقه.
قال ابن جرير: و لهذا الكلام خبر فيه طول، و لما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم و عفا عن بعضهم، و قد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس: من رجع فهو آمن و من لحق بمسلم بن قتيبة بالري فهو آمن، فلحق بمسلم خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم الحجاج، و من لم يلحق به شرع الحجاج في تتبعهم، فقتل منهم خلقا كثيرا حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي بيانه و كان الشعبي من جملة من صار إلى مسلم بن قتيبة فذكره الحجاج يوما فقيل له: إنه سار إلى مسلم بن قتيبة، فكتب إلى مسلم: أن ابعث لي بالشعبي قال الشعبي: فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير إن الناس قد أمرونى أن أعتذر إليك بغير ما يعلم اللَّه أنه الحق، و ايم اللَّه لا أقول في هذا المقام إلا الحق كائنا في ذلك ما كان، قد و اللَّه تمردنا عليك، و خرجنا و جهدنا كل الجهد فما آلونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، و لا بالأتقياء البررة، و لقد نصرك اللَّه علينا و أظفرك بنا فان سطوت فبذنوبنا و ما جرت إليك أيدينا، و إن عفوت عنا فبحلمك، و بعد فلك الحجة علينا.
فقال الحجاج: أنت و اللَّه يا شعبى أحب إلى ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت و لا شهدت، قد أمنت عندنا يا شعبى. قال: فانصرفت فلما مشيت قليلا قال: هلم يا شعبى، قال:
فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبى فاطمأنت نفسي، فقال: كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبى؟- قال: و كان لي مكرما قبل الخروج عليه- فقلت: أصلح اللَّه الأمير، قد اكتحلت بعدك السهر، و استوعرت السهل، و استوخمت الجناب، و استحلست الخوف، و استحليت الهم،