البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٠ - ثم دخلت سنة ثلاث و ثمانين
و فقدت صالح الاخوان، و لم أجد من الأمير خلفا. قال انصرف يا شعبى، فانصرفت. ذكر ذلك ابن جرير و غيره. و رواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن الشعبي.
و روى البيهقي أنه سأله عن مسألة في الفرائض و هي أم زوج و أخت و ما كان يقوله فيها الصديق و عمر و عثمان و على و ابن مسعود، و كان لكل منهم قول فيها، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة فاستحسن قول على و حكم بقول عثمان، و أطلق الشعبي بسبب ذلك. و قيل إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلب كما تقدم ذلك، ثم سار إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحدا من أهلها إلا قال: اشهد على نفسك أنك قد كفرت، فإذا قال نعم بايعه، و إن أبى قتله، فقتل منهم خلقا كثيرا ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر، قال فأتى برجل فقال الحجاج: ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه و دينه- و أراد الحجاج مخادعته- فقال: أ خادعي أنت عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض و أكفر من فرعون و هامان و نمروذ. قال: فضحك الحجاج و خلى سبيله.
و ذكر ابن جرير من طريق أبى مخنف أن أعشى همدان أتى به إلى الحجاج- و كان قد عمل قصيدة هجا فيها الحجاج و عبد الملك بن مروان و يمدح فيها ابن الأشعث و أصحابه- فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية، فيها مدح كثير لعبد الملك و أهل بيته، فجعل أهل الشام يقولون: قد أحسن أيها الأمير، فقال الحجاج: إنه لم يحسن، إنما يقول هذا مصانعة، ثم ألح عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج و أمر به فضربت عنقه صبرا بين يديه. و اسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحارث أبو المصبح الهمدانيّ الكوفي الشاعر، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين، و قد كان له فضل و عبادة في مبتدئه، ثم ترك ذلك و أقبل على الشعر فعرف به، و قد وفد على النعمان بن بشير و هو أمير بحمص فامتدحه، و كان محصوله في رحلته إليه منه و من جند حمص أربعين ألف دينار، و كان زوج أخت الشعبي، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضا، و كان ممن خرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج كما ذكرنا (رحمه اللَّه).
و قد كان الحجاج و هو مواقف لابن الأشعث بعث كمينا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه، ثم تواقف الحجاج و ابن الأشعث و هرب الحجاج بمن معه و ترك معسكره، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر و بات فيه، فجاءت السرية إليهم ليلا و قد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة، و رجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالا شديدا، و قتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير و غرق خلق كثير منهم في دجلة و دجيل، و جاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف، منهم جماعة من الرؤساء و الأعيان، و احتازوه بكماله، و انطلق ابن الأشعث هاربا في ثلاثمائة فركبوا دجيلا في السفن و عقروا دوابهم و جازوا إلى البصرة، ثم ساروا من هنالك