البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - ذكر وقعة جرت بين الترك و المسلمين
منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم أرسلوا بالأثقال و الأموال و النساء و الذرية فوردت على مسلمة بن عبد الملك و معهم رأس المفضل و رأس عبد الملك بن المهلب، فبعث مسلمة بالرءوس و تسعة من الصبيان الحسان إلى أخيه يزيد، فأمر بضرب أعناق أولئك، و نصبت رءوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنصبت بها، و حلف مسلمة بن عبد الملك ليبيعن ذراري آل المهلب، فاشتراهم بعض الأمراء إبرارا لقسمه بمائة ألف، فأعتقهم و خلى سبيلهم، و لم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئا و قد رثى الشعراء يزيد بن المهلب بقصائد ذكرها ابن جرير.
ولاية مسلمة على بلاد العراق و خراسان
و ذلك أنه لما فرغ من حرب آل المهلب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك بولاية الكوفة و البصرة و خراسان في هذه السنة، فاستناب على الكوفة و على البصرة، و بعث إلى خراسان ختنه- زوج ابنته- سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص، الملقب بخذينة، فسار إليها فحرض أهلها على الصبر و الشجاعة، و عاقب عمالا ممن كان ينوب لآل المهلب، و أخذ منهم أموالا جزيلة، و مات بعضهم تحت العقوبة.
ذكر وقعة جرت بين الترك و المسلمين
و ذلك أن خاقان الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشا إلى الصغد لقتال المسلمين، عليهم رجل منهم يقال له كورصول، فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي، فحصره و فيه خلق من المسلمين، فصالحهم نائب سمرقند- و هو عثمان بن عبد اللَّه بن مطرف- على أربعين ألفا، و دفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق [خطبهم] فحثهم على القتال و أخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم و يرجع عنه بعضهم، حتى بقي في سبعمائة مقاتل، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك، و هم محاصر و ذلك القصر، و قد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم و ذبح أولادهم أمامهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك، فثبتوا و مكث المسيب حتى إذا كان وقت السحر فكبر و كبر أصحابه، و قد جعلوا شعارهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و عقروا دواب كثيرة، و نهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالا شديدا، حتى فر أكثر المسلمين، و ضربت دابة المسيب في عجزها فترجل و ترجل معه الشجعان، فقاتلوا و هم كذلك قتالا عظيما، و التف الجماعة بالمسيب و صبروا حتى فتح اللَّه عليهم، و فر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شيء، و قد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادى منادى المسيب: