البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - أنس بن مالك
الصين، و لم يبق إلا أن يلتقى مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. و مسلمة بن عبد الملك بن مروان و ابن أمير المؤمنين الوليد و أخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم و يجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، و بنى بها مسلمة جامعا يعبد اللَّه فيه، و امتلأت قلوب الفرنج منهم رعبا. و محمد بن القاسم ابن أخى الحجاج يجاهد في بلاد الهند و يفتح مدنها في طائفة من جيش العراق و غيرهم. و موسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب و يفتح مدنها و أقاليمها في جيوش الديار المصرية و غيرهم. و كل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام و تركوا عبادة الأوثان. و قبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر و عثمان فتحوا غالب هذه النواحي و دخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام و مصر و العراق و اليمن و أوائل بلاد الترك، و دخلوا إلى ما وراء النهر و أوائل بلاد المغرب، و أوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائما في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بنى أمية و في أثناء خلافة بنى العباس مثل أيام المنصور و أولاده، و الرشيد و أولاده، في بلاد الروم و الترك و الهند. و قد فتح محمود سبكتكين و ولده في أيام ملكهم بلادا كثيرة من بلاد الهند، و لما دخل طائفة ممن هرب من بنى أمية إلى بلاد المغرب و تملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادا كثيرة، و ضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية و الشامية، و ضعف الإسلام و قلّ ناصروه، و جاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس و غيره من البلاد الشامية، فأقام اللَّه سبحانه بنى أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم و طردوهم عنه، فلله الحمد و المنة، و سيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى] [١] و فيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، و كان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم و ضيق مع الحجاج من ظلمه و غشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة و مكة، و هذا وهن و ضعف في الولاية، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولى على المدينة عثمان بن حيان، و على مكة خالد بن عبد اللَّه القسري، و فعل ما أمره به الحجاج. فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، و قدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة.
و حج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك.
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان:
أنس بن مالك
ابن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالاستانة.