البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - فصل
و قال أيضا: ما رأت عيناي أفقه من الحسن، و قال أيوب: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن مسألة هيبة له، و قال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة و أهيبهم فهو الحسن، فأقرأه منى السلام. و قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به و إن لم ير عمله و لم يسمع كلامه، و قال الأعمش: ما زال الحسن يعى الحكمة حتى نطق بها، و كان أبو جعفر إذا ذكره يقول: ذاك الّذي يشبه كلامه كلام الأنبياء و قال محمد بن سعد: قالوا كان الحسن جامعا للعلم و العمل، عالما رفيعا فقيها ثقة مأمونا عابدا زاهدا ناسكا كثير العلم و العمل فصيحا جميلا وسيما، و قدم مكة فأجلس على سرير، و جلس العلماء حوله، و اجتمع الناس إليه فحدثهم. قال أهل التاريخ: مات الحسن عن ثمان و ثمانين سنة، عام عشر و مائة في رجب منها، بينه و بين محمد بن سيرين مائة يوم.
و أما ابن سيرين
فهو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبى عمرو الأنصاري مولى أنس بن مالك النضري، كان أبو محمد من سبى عين التمر، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي، فاشتراه أنس ثم كاتبه، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة، محمد هذا، و أنس بن سيرين، و معبد و يحيى و حفصة و كريمة، و كلهم تابعيون ثقات أجلاء (رحمهم اللَّه). قال البخاري: ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، و قال هشام بن حسان: هو أصدق من أدركت من البشر، و قال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا عالما رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا، و كان به صمم، و قال مؤرق العجليّ: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، و أورع في فقهه منه، قال ابن عون: كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، و أشد الناس إزارا على نفسه، و أشدهم خوفا عليها. قال ابن عون: ما بكى في الدنيا مثل ثلاثة، محمد بن سيرين في العراق، و القاسم بن محمد في الحجاز، و رجاء بن حيوة بالشام. و كانوا يأتون بالحديث على حروفه، و كان الشعبي يقول: عليكم بذاك الأصم- يعنى محمد بن سيرين- و قال ابن شوذب: ما رأيت أحدا أجرأ على تعبير الرؤيا منه. و قال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه. قالوا: و مات في تاسع شوال من هذه السنة بعد الحسن بمائة يوم
فصل
كان اللائق، بالمؤلف أن يذكر تراجم هؤلاء العلماء الأخيار قبل تراجم الشعراء المتقدم ذكرهم فيبدأ بهم ثم يأتى بتراجم الشعراء، و أيضا فإنه أطال القول في تراجم الشعراء و اختصر تراجم العلماء، و لو كان فيها حسن و حكم جمة ينتفع بها من وقف عليها، و لعلها أفيد من مدحهم و الثناء عليهم، و لا سيما