البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - فصل
و الدماء، فو اللَّه ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، و لا قضيت حق أهل الطاعة، فان كان ذلك سرفا فليحدّ لي أمير المؤمنين حدا أنتهي إليه و لا أتجاوزه، و كتب في أسفل الكتاب:
إذا أنا لم أطلب رضاك و أتقى* * * أذاك فيومى لا توارت كواكبه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة* * * فقامت عليه في الصباح نوادبه
أسالم من سالمت من ذي هوادة* * * و من لا تسالمه فانى محاربه
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه* * * و أقص الّذي تسرى إلى عقاربه
فمن يتقى يومى و يرجو إذا غدي* * * على ما أرى و الدهر جم عجائبه
و عن الشافعيّ أنه قال قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه و بينه:
هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئا؟ فسأله كما أمره، فقال: و اللَّه ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهبا أنفقه في سبيل اللَّه مكان ما أبلانى اللَّه من الطاعة، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
فصل
فيما روى عنه من الكلمات النافعة و الجراءة البالغة قال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء ثنا أبو بكر عن عاصم قال سمعت الحجاج و هو على المنبر يقول:
اتّقوا اللَّه ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، و اسمعوا و أطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، و اللَّه لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم و أموالهم، و اللَّه لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من اللَّه حلالا، و ما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند اللَّه، و اللَّه ما هي إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها اللَّه على نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمى بالحجر فيقول لي إن تقع الحجر حدث أمر، فو اللَّه لأدعنهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: و أنا و اللَّه سمعته منه. و رواه أبو بكر بن أبى خيثمة عن محمد بن يزيد عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود و الأعمش أنهما سمعا الحجاج قبحه اللَّه يقول ذلك، و فيه و اللَّه لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، و لا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، و لأحكّنها من المصحف و لو بضلع خنزير.
و رواه غير واحد عن أبى بكر بن عياش بنحوه، و في بعض الروايات: و اللَّه لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه. و هذا من جراءة الحجاج قبحه اللَّه، و إقدامه على الكلام السيئ، و الدماء الحرام.
و إنما نقم على قراءة ابن مسعود رضى اللَّه عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الّذي جمع الناس عليه عثمان، و الظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان و موافقيه و اللَّه أعلم.