البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام)
و قد أقيمت الصلاة، و هذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق، و هو هذا الجامع. و ما وقع في صحيح مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي: فينزل على المنارة البيضاء شرقى دمشق، كأنه و اللَّه أعلم مروى بالمعنى بحسب ما فهمه الراويّ، و إنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، و قد أخبرت و لم أقف عليه إلى الآن أنه كذلك، في بعض ألفاظ هذا الحديث، في بعض المصنفات، و اللَّه المسئول المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة، و ليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه، و هي بيضاء بنفسها، و لا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، و لا أبهى و لا أعلى منها، و للَّه الحمد و المنة [قلت: نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر، و ذلك أن البلاء بالدجال يكون قد عم فينحصر الناس داخل البلد، و يحصرهم الدجال بها، و لا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا أن يكون متبعا للدجال، أو مأسورا معه، فان دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين و حصنهم من الدجال، فإذا كان الأمر كذلك فمن يصلى خارج البلد، و المسلمون كلهم داخل البلد، و عيسى إنما ينزل و قد أقيمت الصلاة فيصلي مع المسلمين، ثم يأخذهم و يطلب الدجال ليقتله، و بعض العوام يقول: إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق، منارة مسجد بلاشو، خارج باب شرقى. و بعضهم يقول:
إنها المنارة التي على نفس باب شرقى. فاللَّه أعلم بمراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو سبحانه العالم بكل شيء، المحيط بكل شيء، القادر على كل شيء، القاهر فوق كل شيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض] [١]
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام)
و روى ابن عساكر عن زيد بن واقد قال: و كلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فعرفنا الوليد ذلك، فلما كان الليل وافانا و بين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، و إذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط و في السفط رأس يحيى ابن زكريا (عليهما السلام). مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكريا، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه، و قال: اجعلوا العمود الّذي فوقه مغيرا من بين الأعمدة، فجعل عليه عمود مسفط الرأس، و في رواية عن زيد بن واقد أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة- يعنى قبل أن تبنى- قال: و كان على الرأس شعر و بشر. و قال الوليد بن مسلم عن زيد بن واقد قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا و قد أخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود الكاسة، قال الأوزاعي و الوليد بن مسلم: هو العمود الرابع المسفط. و روى أبو بكر بن البرامي عن أحمد بن أنس ابن مالك عن حبيب المؤذن عن أبى زياد و أبى أمية الشعناييين عن سفيان الثوري أنه قال: صلاة
[١] زيادة من المصرية.