البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - فصل
الويل لكم إذا سماكم الناس صالحين، و أكرموكم على ذلك. و قال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الكشوري حدثنا همام بن سلمة بن عقبة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن معقل بن منبه قال: سمعت عمى وهب بن منبه يقول: يا بنى! أخلص طاعة اللَّه بسريرة ناصحة يصدق بها فعلك في العلانية، فان من فعل خيرا ثم أسره إلى اللَّه فقد أصاب مواضعه، و أبلغه قراره، و وضعه عند حافظه و إن من أسر عملا صالحا لم يطلع عليه إلا اللَّه، فقد أطلع عليه من هو حسبه، و استحفظه و استودعه حفيظا لا يضيع أجره، فلا تخافن يا بنى على من عمل صالحا أسره إلى اللَّه عز و جل ضياعا، و لا تخافن ظلمة و لا هضمة، و لا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فان مثل العلانية مع السريرة كمثل ورق الشجرة مع عرقها، العلانية ورقها و السريرة أصلها، إن يحرق العرق هلكت الشجرة كلها، و إن صلح الأصل صلحت الشجرة، ثمرها و ورقها، و الورق يأتى عليه حين يجف و يصير هباء تذروه الرياح، بخلاف العرق، فإنه لا يزال ما ظهر من الشجرة في خير و عافية ما كان عرقها مستخفيا لا يرى منه شيء، كذلك الدين و العلم و العمل، لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة يصدق اللَّه بها علانية العبد، فان العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، و لا تنفع العلانية مع السريرة الفاسدة، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها، و إن كان حياته من قبل عرقها، فان فرعها زينتها و جمالها، و إن كانت السريرة هي ملاك الدين، فان العلانية معها تزين الدين و تجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه عز و جل.
و قال الهيثم بن جميل: حدثنا صالح المري عن أبان عن وهب قال: قرأت في الحكمة: الكفر أربعة أركان، ركن منه الغضبة، و ركن منه الشهوة، و ركن منه الطمع، و ركن منه الخوف. و قال:
أوحى اللَّه تعالى إلى موسى: إذا دعوتني فكن خائفا مشفقا وجلا، و عفر خدك بالتراب، و اسجد لي بمكارم وجهك و يديك، و سلني حين تسألنى بخشية من قلبك و وجل، و اخشنى أيام الحياة، و علم الجهال آلائي، و قل لعبادي لا يتمادوا في غى ما هم فيه فان أخذى أليم شديد. و قال وهب: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به دخل النقص على أهل مملكته، و قلت البركات في التجارات و الزراعات و الضروع و المواشي، و دخل المحق في ذلك، و أدخل اللَّه عليه الذل في ذاته و في ملكه. و إذا هم بالعدل و الخير كان عكس ذلك، من كثرة الخير و نمو البركات. و قال وهب: كان في مصحف إبراهيم (عليه السلام) أيها الملك المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، و لا لتبنى البنيان، و إنما بعثتك لترفع لي دعوة المظلوم فانى لا أردها و لو كانت من كافر.
و روى ابن أبى الدنيا عن محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن ذا القرنين قال لبعض الملوك:
ما بال ملتكم واحدة، و طريقتكم مستقيمة؟ قال: من قبل أنا لا نخادع و لا يغتاب بعضنا بعضا. و روى