البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - و فيها توفى من الأعيان
بى إليه فما أحب أن أوقع بينك و بينه عداوة و حربا، فابعثنى اليه و ابعث معى ابنك و اكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه و بعث معه ابنه أيوب، و قال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، و ادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة، قال: و اللَّه لقد بلغنا من سليمان. و دفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه و قال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبى و أنت أحق من منعها، و لا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، و لا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فو اللَّه إن كنت لأظن لو استجار بى عدو قد نابذك و جاهدك فأنزلته و أجرته أنك لا تذل جواري و لا تخفره، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا، حسن البلاء و الأثر في الإسلام هو و أبوه و أهل بيته، و قد بعثت به إليك فان كنت إنما تعد قطيعتي و اخفار ذمتي و الإبلاغ في مساءتى فقد قدرت إن أنت فعلت، و أنا أعيذك باللَّه من احتراد قطيعتي و انتهاك حرمتي، و ترك بري و إجابتي إلى ما سألتك، و وصلتي، فو اللَّه يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي و بقاؤك، و لا متى يفرق الموت بيني و بينك، فان استطاع أمير المؤمنين أدام اللَّه سروره أن لا يأتى أجل الوفاة علينا إلا و هو لي واصل و لحقي مؤد، و عن مساءتى نازع فليفعل، و و اللَّه يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى اللَّه بأسر منى برضاك و سرورك، و إن رضاك و سرورك أحب إلى من رضائي و سروري، و مما ألتمس به رضوان اللَّه عز و جل لصلتى ما بيني و بينك، و إن كنت يا أمير المؤمنين يوما من الدهر تريد صلتي و كرامتي و إعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، و كل ما طلبته به فهو على.
فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد أشفقنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، و تكلم يزيد بن المهلب فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ننساه، و من يكفره فلسنا بكافريه، و قد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم و الطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق و المغارب، ما أن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس فجلس فأمنه و كف عنه و رده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، و يصف له ألوان الأطعمة الشهية، و كان حظيا عنده لا يهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، و تقرب يزيد ابن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا و التحف و التقادم، و كتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب و أهل بيته مع أخى سليمان، فاكفف عنهم و اله عن الكتاب إلى فيهم. فكف الحجاج عن آل المهلب و ترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبى عيينة بن المهلب ألف ألف درهم، و لم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس و تسعين، ثم ولى يزيد بلاد العراق بعد الحجاج كما أخبره الراهب.
و فيها توفى من الأعيان: