البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - عبد العزيز بن مروان
و قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى ثنا إسحاق بن يوسف أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد اللَّه بن عمر: ارفع إليّ حاجتك. فكتب إليه ابن عمر: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى و ابدأ بمن تعول».
و لست أسألك شيئا و لا أرد رزقا رزقنيه اللَّه عز و جل منك. و قال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبى حبيب عن سويد بن قيس قال: بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر قال: فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال: لا و اللَّه لا يبيت ابن عمر الليلة و له ألف دينار، قال: فدفع إلى الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضى اللَّه عنه.
و من كلامه (رحمه اللَّه): عجبا لمؤمن يؤمن و يوقن أن اللَّه يرزقه و يخلف عليه، كيف يحبس مالا عن عظيم أجر و حسن ثناء. و لما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه و إذا هو ثلاثمائة مدّ من ذهب، فقال: و اللَّه لوددت أنه بعر حائل بنجد، و قال: و اللَّه لوددت أنى لم أكن شيئا مذكورا، و لوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، و قال لهم: ائتوني بكفنى الّذي تكفنونى فيه، فجعل يقول: أف لك ما أقصر طويلك، و أقل كثيرك.
قال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير عن الليث بن سعد قال: كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست و ثمانين، قال ابن عساكر: و هذا و هم من يعقوب بن سفيان و الصواب سنة خمس و ثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، و مات عبد الملك بعده بسنه سنة ست و ثمانين. و قد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريما جوادا ممدحا، و هو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، و قد اكتسى عمر أخلاق أبيه و زاد عليه بأمور كثيرة. و كان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم و أبو بكر و محمد و الأصبغ- مات قبله بقليل فحزن عليه حزنا كثيرا و مرض بعده و مات. و سهيل و كان له عدة بنات، أم محمد و سهيل و أم عثمان و أم الحكم و أم البنين و هن من أمهات شتى، و له من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر و حمل إلى مصر في النيل و دفن بها، و قد ترك عبد العزيز من الأموال و الأثاث و الدواب من الخيل و البغال و الإبل و غير ذلك ما يعجز عنه الوصف، من جملة ذلك ثلاثمائة مدّ من ذهب غير الورق، مع جوده و كرمه و بذله و عطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل (رحمه اللَّه تعالى).
و قد ذكر ابن جرير أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز و هو بالديار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الّذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولى العهد من بعده، فإنه أعز الخلق عليّ. فكتب إليه عبد العزيز يقول: إني أرى في أبى بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد. فكتب