البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
ذلك، قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب و قس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما ضرب منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا و كذا ألف لبنة، فان كان عندك ما يكفى من ذلك عملناه، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارا، و قال إني لا أعجز عما قلت، و لكن فيه إسراف و ضياع مال في غير وجهه اللائق به، و لأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل اللَّه، و ردا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك. ثم عقدها على ما أشار به المعمار. و لما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، و باطنها مسطحا مقرنصا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير- يشير إلى أن التراب يغلو و الفعلة تقل لأجل العمل في هذا المسجد في كل عام- فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، و يكون أخف على السقوف. فجمع من كل ناحية من الشام و غيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضة، فكتبوا إلى الوليد فقال: اشتروه منها و لو بوزنه فضة، فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة للَّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع «للَّه» و يقال إنها كانت إسرائيلية، و إنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية.
و قال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل من القوم أو الفعلة الفلس و رأس المسمار فيأتى به حتى يضعه في الخزانة. و قال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس و الباقي كله مرمر. و قال بعضهم: اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر، من حرب ابن خالد بن يزيد بن معاوية بألف و خمسمائة دينار. و قال دحيم عن الوليد بن مسلم: ثنا مروان بن جناح عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم، و قال أبو قصي عن دحيم عن الوليد ابن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة [١] التي في قبلي المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.
و قال أبو قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق من الذهب، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، و في رواية في كل صندوق ثمانية و عشرون ألف دينار. قلت: فعلى الأول يكون ذلك
[١] هي فسيفساء على هيئة الكرم مؤلفة من قطع صغيرة من الزجاج المربع مبطن بالذهب أو الألوان، و كان منها بقايا إلى أيام الحريق الأخير سنة ١٣١٠ ه و يوجد قريب منها في قبة الملك الظاهر بدمشق إلى اليوم.