البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٥ - و هذه ترجمة عمر بن عبد العزيز الأموي الامام المعروف المشهور (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه
يعنى بنى أمية- و قال عبد اللَّه بن كثير قلت لعمر بن عبد العزيز ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال لي: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة [١] و قال الامام مالك: لما عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة- يعنى في سنة ثلاث و تسعين- و خرج منها التفت إليها و بكى و قال لمولاه: يا مزاحم، نخشى أن نكون ممن نفت المدينة- يعنى أن المدينة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد- و ينصع طيبها. قلت: خرج من المدينة فنزل بمكان قريب منها يقال له السويداء حينا [٢]، ثم قدم دمشق على بنى عمه. قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبى حكيم. قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: خرجت من المدينة و ما من رجل أعلم منى، فلما قدمت الشام نسيت. و قال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال:
سهرت مع عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فحدثته، فقال: كلّ ما حدثت فقد سمعته و لكن حفظت و نسيت. و قال ابن وهب عن الليث عن عقيل عن الزهري قال قال عمر بن عبد العزيز: بعث إلى الوليد ذات ساعة من الظهيرة، فدخلت عليه فإذا هو عابس، فأشار إلى أن اجلس، فجلست فقال:
ما تقول فيمن يسب الخلفاء أ يقتل؟ فسكت، ثم عاد فسكت، ثم عاد فقلت: أقتل يا أمير المؤمنين؟
قال: لا، و لكن سب، فقلت: ينكّل به، فغضب و انصرف إلى أهله، و قال لي ابن الريان السياف:
اذهب، قال: فخرجت من عنده و ما تهب ريح إلا و أنا أظن أنه رسول يردني إليه. و قال عثمان بن زبر: أقبل سليمان بن عبد الملك و هو أمير المؤمنين و معه عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان، و فيه تلك الخيول و الجمال و البغال و الأثقال و الرجال، فقال سليمان: ما تقول يا عمر في هذا؟ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضا و أنت المسئول عن ذلك كله، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان و هو طائر بها، و نعب نعبة، فقال له سليمان: ما هذا يا عمر؟ فقال:
لا أدرى، فقال: ما ظنك أنه يقول؟ قلت: كأنه يقول: من أين جاءت و أين يذهب بها؟ فقال له سليمان: ما أعجبك؟ فقال عمر: اعجب ممن عرف اللَّه فعصاه، و من عرف الشيطان فأطاعه، و من عرف الدنيا فركن إليها.
و تقدم أنه لما وقف سليمان و عمر بعرفة و رأى سليمان كثرة الناس فقال له عمر: هؤلاء رعيتك
[١] بالأصول «يوما صبيحتها يعنى يوم القيامة» و صححناه من سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صفحة ١٤٩
[٢] السويداء أرض كان يملكها عمر بن عبد العزيز، و استنبط فيها من عطائه عين ماء، و له فيها قصر مبنى. و لما تنازل لبيت المال عن جميع ما ورثه عن آبائه أبقى (السويداء) و (خيبر) لأنه اطمأنّ إلى أنهما حلال خالص ليس فيه أية شبهة. و كان هو خليفة يأكل من غلّتها و ينفق ما يزيد عن الضرورة