البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - فصل
هذا الشيخ جاف، فلما صلى و دخل لحقته فقلت: أصلح اللَّه الأمير، من هذا الشيخ الّذي أتكأته يدك؟ فقال: يا رياح رأيته؟ قلت: نعم! قال: ما أحسبك يا رياح إلا رجلا صالحا، ذاك أخى الخضر أتانى فأعلمني أنى سألى أمر هذه الأمة و أنى سأعدل فيها.
و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو عمير ثنا ضمرة عن على بن خولة عن أبى عنبس. قال:
كنت جالسا مع خالد بن يزيد بن معاوية فجاء شاب عليه مقطعات فأخذ بيد خالد، فقال: هل علينا من عين؟ فقال أبو عنبس: فقلت عليكما من اللَّه عين بصيرة، و أذن سميعة، قال: فترقرقت عينا الفتى. فأرسل يده من يد خالد و ولى، فقلت: من هذا؟ قال: هذا عمر بن عبد العزيز ابن أخى أمير المؤمنين، و لئن طالت بك حياة لترينه إمام هدى. قلت: قد كان عند خالد بن يزيد بن معاوية شيء جيد من أخبار الأوائل و أقوالهم، و كان ينظر في النجوم و الطب. و قد ذكرنا في ترجمة سليمان بن عبد الملك أنه لما حضرته الوفاة أراد أن يعهد إلى بعض أولاده، فصرفه وزيره الصالح رجاء بن حيوة عن ذلك، و ما زال به حتى عهد إلى عمر بن عبد العزيز من بعده و صوّب ذلك رجاء فكتب سليمان العهد في صحيفة و ختمها و لم يشعر بذلك عمر و لا أحد من بنى مروان سوى سليمان و رجاء، ثم أمر صاحب الشرطة بإحضار الأمراء و رءوس الناس من بنى مروان و غيرهم، فبايعوا سليمان على ما في الصحيفة المختومة، ثم انصرفوا، ثم لما مات الخليفة استدعاهم رجاء بن حيوة فبايعوا ثانية قبل أن يعلموا موت الخليفة، ثم فتحها فقرأها عليهم، فإذا فيها البيعة لعمر بن عبد العزيز، فأخذوه فأجلسوه على المنبر و بايعوه فانعقدت له البيعة.
و قد اختلف العلماء في مثل هذا الصنيع في الرجل يوصى الوصية في كتاب و يشهد على ما فيه من غير أن يقرأ على الشهود. ثم يشهدون على ما فيه فينفذ، فسوغ ذلك جماعات من أهل العلم، قال القاضي أبو الفرج العافي بن زكريا الجريريّ: أجاز ذلك و أمضاه و أنفذ الحكم به جمهور أهل الحجاز، و روى ذلك عن سالم بن عبد اللَّه. و هو مذهب مالك و محمد بن مسلمة المخزومي و مكحول، و نمير بن أوس و زرعة بن إبراهيم، و الأوزاعي و سعيد بن عبد العزيز، و من وافقهم من فقهاء الشام. و حكى نحو ذلك خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه و قضاة جنده، و هو قول الليث بن سعد فيمن وافقه من فقهاء أهل مصر و المغرب، و هو قول فقهاء أهل البصرة و قضاتهم. و روى عن قتادة و عن سوار ابن عبد اللَّه و عبيد اللَّه بن الحسن و معاذ بن معاذ العنبري فيمن سلك سبيلهم، و أخذ بهذا عدد كثير من أصحاب الحديث، منهم أبو عبيد و إسحاق بن راهويه. قلت: و قد اعتنى به البخاري في صحيحه. قال المعافى: و أبى ذلك جماعة من فقهاء العراق، منهم إبراهيم و حماد و الحسن، و هو مذهب الشافعيّ و أبى ثور، قال: و هو قول شيخنا أبى جعفر، و كان بعض أصحاب الشافعيّ بالعراق يذهب